آسفي: برامج تنموية على مقاس مصالح المنتخبين.. حان وقت التحقيق!
في مدينة آسفي، حاضرة المحيط الأطلسي، حلت كارثة عشية يوم الأحد 14 ديسمبر 2025، كشفت عن هشاشة برامج التهيئة الحضرية ووعود استباق الكوارث. هذه المصيبة ليست مجرد حادث طبيعي، بل هي أكبر كاشف لاختلالات التسيير والتدبير في هذه المدينة العتيقة، التي شهدت عبر القرون الغابرة على قدرتها على مواجهة التحديات الطبيعية. ومع ذلك، فإن ما حدث اليوم يعكس إهمالاً متعمداً، يستدعي تحقيقاً قضائياً فورياً لكشف المسؤولين عن الاستيلاء على الواجهات المطلة على البحر والوادي، وتحويلهما إلى مصالح شخصية على حساب سلامة السكان.لنكن موضوعيين؛آسفي التي تعايشت تاريخياً مع بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) ووادي هارون (الشعبة) الذي يمر بمحاذاة أسوارها، اكتسبت سحرها من هذين العنصرين الطبيعيين. هذان المجالان جعلا المدينة محط أطماع الفينيقيين والبرتغاليين، وصولاً إلى المستعمر الفرنسي.
كان الفرنسيون آخر من تدخل بشكل فعال لحماية المدينة، حيث قاموا في الأربعينيات من القرن الماضي بتهيئة ممر الوادي استجابة لاحتجاجات الحرفيين والتجار، مما سمح للمدينة بالتعايش مع محيطها الطبيعي لقرن كامل، محافظة على لقبها “حاضرة المحيط”.
لكن، ماذا حدث بعد ذلك؟
على امتداد الأربعة عقود الأخيرة، تسارعت وتيرة الهجرة القروية، وامتدت المدينة على مجالها الغابوي والبحري، في غياب تام لتصاميم التهيئة الحضرية بفعل فاعل. غابت الرقابة الترابية لصالح مصالح انتخابية ضيقة، يقودها منتخبون تعاقبوا على تسيير المدينة. أول امتداد أسمنتي أثار الجدل كان حي “المسيرة”، الذي أقيم على جنبات الوادي نسبة إلى مسيرة النماء التي قادها مرشح حزب السنابل. هناك، صدر ترخيص بعد عملية البناء لربط الحي بشبكة الواد الحار، مع اختيار مجرى الوادي كمسلك، مما جعل مصبه يصب على أسوار المدينة قبل البحر. ثم تناسلت الأحياء العشوائية لتوفير وعاء انتخابي، حيث سُرِّحت الطريق للبناء العشوائي من حي المسيرة باتجاه حي شنݣيط على ضفاف الوادي، مروراً بتجزئة “مايا” التي وضعت على تل لإخفاء الفيلات عن أنظار السكان الفقراء الذين انتشروا كالفطر على الوادي.
ومع مواصلة هذه “المسيرة” نحو مجرى الوادي باتجاه المدينة، تبرز قنطرة شارع الحسن الثاني كسد يخترق الوادي، مزودة بقنوات بقطر مترين فقط لتصريف المياه نحو تل الخزف المنسي. هذا التل، الذي يحمل حمولة تاريخية وإبداعية تعبر عن ذكاء سكان آسفي عبر القرون، كان يمكن أن يصبح ورشاً مفتوحاً للشباب، لكنه ترك لمصيره دون تهيئة، باستثناء المقاهي المطلة عليه حيث تتفرج “النخبة الجديدة” على الإهمال. ونحن نترك لمؤسسة “Safi Vision” الحديث عن هذا التل، فهي أدرى باستغلال النخبة الهجينة التي تترفع عن آسفي في سفرياتها الخارجية وأعمالها الاجتماعية بمراكش والنواحي و المداشر.في العقدين الأخيرين، غاب تصميم التهيئة تماماً، وتدافع المنتخبون والجمعيات على توسيع “كعكة” المناطق المطلة على الوادي والمحيط.
![]()
هذا يتطلب تحقيقاً شاملاً، في ظل غياب رأي عام حقيقي، استولت عليه المنابر المشبوهة والصحافة الاستزاقية التابعة لأذرع الفساد. هذه الأذرع اختارت آسفي مقراً لنهاية أسبوعها، من الجمعة إلى مساء الأحد، مستولية على ميزانيات المجلس والعمالة، مما مكن كل واحد من الاستفادة من البقع المطلة على المحيط من جرف سيدي بوزيد ووادي هارون و ضهر العمالة.لا أحد اليوم ينكر حجم الفساد المستشري في آسفي، ولا صوت يعلو فوق صوت الفساد.
إطلالة سريعة على الخريطة الطبوغرافية للمدينة ومسالكها الهيدروليكية تكشف بوضوح كيف استولى المسؤولون على تلال الوادي والجرف المطل على المحيط، محولين السكان الفقراء – الذين تم تفقيرهم بقدرة قادرة – إلى جنبات الوادي تحت الأنقاض. حتى من احتج، عرضت عليه رخص استثنائية للاستفادة من الريع على الرمال الذهبية، أو أكشاك للمراقبة، أو منابر للتطبيل والعويل على كل من كشف المستور. وآخر هذا التطبيل هو الترويج لحاجز الصد البحري، الذي بني على أنقاض مجاري السيول، مما منع تصريف مياه الوادي إلى البحر. لك الله يا آسفي!إن هذه الكارثة ليست مصادفة، بل نتيجة لبرامج تنموية مصممة على مقاس مصالح المنتخبين والنخب الفاسدة. تحفظنا ربما كثيرا في هذا المقال، لنترك للنيابة العامة القول الفصل بعد فتح تحقيقها العاجل في أسباب الفاجعة التي ألمت بأهل حاضرة المحيط.
يجب على السلطات القضائية والإدارية أن تتحرك فوراً: فتح تحقيق شامل في الاستيلاء على الواجهات المطلة على البحر والوادي، مراجعة التراخيص الممنوحة، ومحاسبة المنتخبين والمسؤولين الذين سمحوا بهذا الإهمال. إن عدم التحرك يعني استمرار الخطر على حياة السكان، ويجب أن يكون هذا التحقيق خطوة أولى نحو إعادة بناء آسفي على أسس عادلة وشفافة. فالوقت حان للعدالة، قبل كارثة أخرى!
Comments ( 0 )