آسفي..تعيد الإعتبار لٕادريس بن ناصر نسيج العلم و حلاوة الروح
في إطار صحافة الحلول التي تركز على إبراز المبادرات الإيجابية ومعالجة التحديات بطريقة بناءة، لفت نظرنا اليوم ما حدث في شارع إدريس بن ناصر بمدينة أسفي الذي أصبح نموذجا يعكس كيف يمكن للتدخلات المحلية أن تحول الواقع نحو الأفضل، خاصة في سياق شهر رمضان المبارك. هذا الشارع، الذي أصبح يُعرف بـ”شارع السوق الخانز” بسبب تراكم الأزبال و الفوضى الناتجة عن الهجرة القروية و اتساخ الوعاء اللغوي الذي فاض بشوارع المدينة مع سنوات الجفاف، شهد تحولاً ملحوظاً خلال العشر الأواخر من رمضان. بعد قرار السلطات المحلية منع مرور السيارات، مما خفف من الاكتظاظ وأعاد إلى الشارع رونقاً وبهجة، حيث أصبح المارة يتنقلون براحة أكبر، يتسوقون ويتبادلون التهاني في أجواء رمضانية مميزة. هذه الخطوة البسيطة، لكن الفعالة، تُظهر كيف يمكن للحلول المحلية أن تُعيد الحياة إلى فضاءات عانت من الإهمال والتحولات الاجتماعية.
لكن لفهم أعمق لهذا الشارع، لا بد من العودة إلى تاريخ الشخصية التي يحمل اسمها: إدريس بن ناصر، أحد الرموز البارزة في مدينة أسفي، حاضرة المحيط. كان إدريس بن ناصر سلفياً متميزاً في عصره، عُرف بحبه للعلم والتزامه بنشر تعاليم القرآن الكريم. في زمن كانت فيه أسفي مركزاً للعلم والثقافة، برز إدريس بن ناصر كشخصية تجمع بين التقوى والإبداع في تحفيز طلبة العلم. من أبرز ما اشتهر به طريقته الفريدة في تشجيع تلاميذه على حفظ القرآن الكريم، حيث كان يُسلمهم “القرطاس” _لوح الحفظ _ معمراً بالعسل الحر كجائزة رمزية. هذا العسل، الذي يُعتبر من خيرات الطبيعة ومادة ذات قيمة غذائية وروحية في الثقافة الإسلامية، كان بمثابة حافز مادي ومعنوي يعكس اهتمامه بجعل طلب العلم تجربة محببة وممتعة. لم يكتفِ بتعليمهم القرآن فحسب، بل كان يحثهم على المرابطة في المسيد، ذلك الفضاء التقليدي للتعليم الديني، ليربط بين العلم والعبادة والانضباط.
هذا الإرث التاريخي لإدريس بن ناصر يضفي بعداً رمزياً على الشارع الذي يحمل اسمه. ففي حين كان هو رمزاً للنظام والتحفيز والعناية بالمجتمع، تحول الشارع مع مرور الزمن إلى صورة مغايرة تعكس تحديات العصر الحديث مثل الهجرة القروية والفوضى. لكن التدخل الأخير للسلطات المحلية يمكن أن يُنظر إليها كمحاولة لاستعادة بعض من تلك الروح التي كان يمثلها إدريس بن ناصر: روح النظام، والجمال، والاهتمام براحة الناس. إن إعادة تنشيط الشارع بهذا الشكل لا يعالج فقط مشكلة الاكتظاظ، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول كيفية استعادة الهوية التاريخية والثقافية للأماكن العامة في أسفي، مستلهمين من شخصيات مثل إدريس بن ناصر التي جعلت من العلم والمجتمع أولوية.
منظور أوسع:
يُظهر هذا المثال أن الحلول لا تحتاج دائماً إلى استثمارات ضخمة أو خطط معقدة؛ فأحياناً، يكفي تدخل بسيط ومدروس لإعادة الاعتبار إلى فضاء عام، مع الاستفادة من الإرث التاريخي كمصدر إلهام لتحسين حاضرة المحيط و إعادة رونقها الذي تغنت به الركبان.
Comments ( 0 )