ارتفاع جرائم العنف ضد النساء والأطفال يهز المغرب ومطالب بتحرك أمني عاجل

ارتفاع جرائم العنف ضد النساء والأطفال يهز المغرب ومطالب بتحرك أمني عاجل

 

 

 

تكشف معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط في إطار البحث الوطني حول العنف ضد النساء والرجال لسنة 2019 أن واحدة من كل أربع نساء ضحايا العنف الجسدي من طرف الشريك تعرضت لإصابات أو اضطرابات نفسية، فيما عانت نسبة مهمة منهن من آثار نفسية خطيرة مثل القلق والتوتر واضطرابات النوم. أرقام تعكس حجم التحدي الذي ما تزال تمثله ظاهرة العنف داخل المجتمع، وتؤكد أن الأمر لا يتعلق بحوادث معزولة بقدر ما هو ظاهرة ذات تداعيات اجتماعية خطيرة.

 

تعالت تنديدات إنسانية عديدة في الوطن العربي لمناهضة كل أشكال العنف ضد النساء والأطفال، كما هو الحال في المغرب الذي اهتز على وقع حدوث جرائم شنيعة تتعلق بالضرب والمشاحنات والقتل العمد. وكان موضوع هذا الشهر بمدينة المحمدية حيث أقدم زوج على قتل زوجته بطريقة وحشية أثناء مزاولتها لعملها نهارًا، ما أثار استنفار الساكنة وجيرانها وذويها، وفتح مجالًا لإعادة نفس السيناريو لزوجة أخرى لولا مقاومتها حيث أصيبت بجروح على مستوى اليد والوجه. وهي حالات متشابهة باتت تتردد بين الحين والآخر، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل نعيش في الغاب؟ أم أن هؤلاء الأشخاص لم تعد تؤثر فيهم العقوبات الحبسية؟ أم أننا بحاجة إلى تدخل أمني أكثر تأثيرًا لوقف هذه الظواهر الخطيرة؟

 

ولا تقف آثار العنف عند الضحية فقط، بل تمتد إلى الأطفال والأسرة والمجتمع ككل، إذ تشير المعطيات نفسها إلى أن نسبة من النساء ضحايا العنف الزوجي صرحن بأن أبناءهن يعانون مشاكل نفسية وسلوكية نتيجة الأجواء العنيفة داخل الأسرة، من بينها القلق والعزلة والتراجع الدراسي، وهو ما يبرز أن العنف لا يهدد الضحية وحدها، بل يمس التوازن النفسي والاجتماعي للأجيال القادمة.

 

ولتحليل هذه الظاهرة الإجتماعية، طرحنا السؤال على البروفيسور الدكتور محمد قصير بخصوص التحليل النفسي للعنف ضد النساء والأطفال فكان جوابه كالاتي :

 

فيما يخص هذه المسألة من منظور التحليل النفسي، ظاهرة العنف ضد النساء والأطفال ليست مجرد تصرفات عابرة أو أحداث معزولة، بل هي تعبير عن صراعات داخلية عميقة في النفس البشرية، غالباً ما تكون مكبوتة وغير واعية. هذه الصراعات تنشأ منذ الطفولة، حيث تتشكل الشخصية تحت تأثير التجارب المبكرة، سواء كانت صراعات مع الوالدين، أو فقدان الإحساس بالأمان، أو تعرض الطفل لمشاعر متناقضة بين الحب والخوف والغضب. هذه التجارب المبكرة تترك بصماتها في اللاوعي، وقد تتحول لاحقاً إلى سلوكيات عدوانية تجاه الآخرين، كطريقة غير واعية لتفريغ ما لم يُعالج نفسياً في الماضي.

 

أحد الأمثلة الواقعية التي يمكن ملاحظتها هو الطفل الذي عاش في بيت تتخلله مشاهد عنف مستمرة بين الوالدين، أو الذي تعرض هو نفسه للإساءة العاطفية أو الجسدية. عندما يكبر هذا الطفل، قد يصبح بالغاً يميل إلى إعادة تمثيل نفس الصراعات داخلياً وخارجياً، ويجد في ممارسة العنف وسيلة لتفريغ التوتر الداخلي، وإحساسه بالعجز القديم يتحول إلى سيطرة ظاهرية على الآخرين. هذه العملية في التحليل النفسي تُعرف بالـ تمثيل المكرر (Repetition Compulsion)، أي ميل النفس إلى إعادة تجارب مؤلمة قديمة على شكل سلوكيات قابلة للرصد.

 

من زاوية أخرى، يمكن فهم العنف ضد النساء والأطفال كآلية دفاع نفسية. الشخص الذي يمارس العنف غالباً ما يكون غير قادر على مواجهة شعور عميق بالضعف أو الإحباط الداخلي. فبسبب ضغوط الحياة أو صراعاته المكبوتة، يجد في السيطرة على الآخرين طريقاً غير واعٍ لتأكيد ذاته أو حماية إحساسه بالهوية. على سبيل المثال، الزوج الذي يتعرض لضغوط مهنية أو شعور بالفشل قد ينفجر غضباً تجاه زوجته أو أبنائه، غير مدرك أن جذور هذا السلوك تعود إلى شعوره الداخلي بالعجز والخوف من الفقد أو الفشل.

 

التحليل النفسي يوضح أيضاً أن العنف قد يكون مرتبطاً بالإسقاط (Projection)، حيث يقوم الشخص بنقل مشاعره المكبوتة نحو الآخر. بمعنى آخر، الغضب، الكره، أو الشعور بالمهانة التي يعيشها الفرد داخلياً تُسقط على الضحية، سواء كانت امرأة أو طفل، ليصبح الآخر مسؤولا عن مشاعره الداخلية. مثال واقعي يظهر عند الأهل الذين يعانون من صدمات طفولية، والذين يكررون ما عاشوه من إساءات أو قسوة على أطفالهم دون وعي، معتقدين أن هذا هو السلوك الطبيعي أو الوسيلة للتربية.

 

من منظور التحليل النفسي العميق، العنف لا يقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل يشمل الإيذاء العاطفي والنفسي، الذي يترك آثاراً لا تقل خطورة عن الإصابات الجسدية. الأطفال الذين يتعرضون للتهديد، التقليل من شأنهم، أو التهديد المستمر بالخوف، غالباً ما يكبرون وهم محملون بمخاوف مزمنة، ضعف في الثقة بالنفس، وصعوبات في إدارة العلاقات الاجتماعية، ما يكرر دائرة العنف في أجيال لاحقة.

 

أخيراً، يمكن القول إن العنف ضد النساء والأطفال هو مرآة للنفس المضطربة، يترجم الصراعات الداخلية المكبوتة، الإحباطات، والخيبات النفسية على العالم الخارجي بطريقة مؤذية. فهم هذا السلوك من منظور التحليل النفسي يسمح لنا بالتمييز بين الفرد الذي يمارس العنف كآلية دفاع عن ذاته، وبين البيئة التي ساهمت في تكوين هذه السلوكيات. كما أنه يوضح أن الحل لا يقتصر على العقاب أو الملاحقة القانونية، بل يتطلب التدخل النفسي العميق لمعالجة الجذور اللاواعية للصراع الداخلي، وهو ما يجعل التحليل النفسي أداة أساسية لفهم هذه الظاهرة المعقدة.

 

وأضاف البروفيسور، من منظور علم النفس السلوكي، يُنظر إلى العنف ضد النساء والأطفال كسلوك مكتسب يتشكل ويتقوى من خلال التعلم والتجربة، وليس مجرد انفعال فطري أو صراع داخلي. السلوك العدواني يُفهم على أنه نتيجة لعمليات التعلم والملاحظة والتعزيز، حيث يتعلم الفرد أن العنف يمكن أن يكون وسيلة فعالة للحصول على نتائج معينة، مثل السيطرة، الخضوع، أو تحقيق رغباته بسرعة، سواء أكان ذلك على مستوى الأسرة أو المجتمع.

 

أحد أبرز الآليات التي يشرحها علم النفس السلوكي هو التعلم بالملاحظة (Observational Learning)، أو ما يعرف بتقليد السلوكيات من النماذج المحيطة. على سبيل المثال، الطفل الذي ينشأ في بيت يشاهد فيه أحد الوالدين يمارس العنف على الآخر بشكل مستمر، قد يتعلم أن هذا السلوك طبيعي أو مقبول في حل النزاعات. لاحقًا، عند مواجهة ضغوط أو صراعات في حياته، يكون الطفل أكثر ميلاً لتكرار نفس السلوكيات تجاه الآخرين، معتقدًا أن العنف هو وسيلة فعالة للتعامل مع المشكلات.

 

آلية أخرى مهمة هي التعزيز والعقاب (Reinforcement & Punishment). السلوكيات التي تُعزَّز بشكل مباشر أو غير مباشر تصبح أكثر احتمالاً للتكرار. على سبيل المثال، الزوج الذي يصرخ أو يضرب زوجته وينجح في فرض رأيه أو إيقاف سلوك غير مرغوب فيه بالنسبة له، يكتسب تعزيزًا إيجابيًا لهذا السلوك، ما يزيد من احتمالية تكراره. بالمقابل، إذا لم يكن هناك عقاب حقيقي أو متابعة من المجتمع أو الأسرة، فإن السلوك العدواني يُصبح عادة راسخة وصعبة التغيير.

 

علم النفس السلوكي يوضح أيضًا أن العنف قد يتشكل نتيجة تراكم النماذج السلوكية في البيئة الاجتماعية الأوسع، مثل مشاهدة العنف في الإعلام أو الألعاب أو المجتمع. هذا يعني أن السلوك العدواني لا يقتصر على التجربة المباشرة داخل الأسرة، بل يتأثر بمجموعة كبيرة من المثيرات الاجتماعية المحيطة، التي تعمل كأدوات تعلم للسلوك.

 

أمثلة واقعية توضح ذلك كثيرًا:

 

الأطفال الذين يشاهدون نزاعات جسدية متكررة بين الأبوين، يصبحون أكثر ميلًا لتقليد السلوكيات العدوانية في المدرسة أو تجاه إخوتهم.

 

المرأة التي تنشأ في بيئة تشجع الخضوع والعنف المبرر، قد تجد صعوبة في التعبير عن نفسها بطريقة سليمة، وقد تقبل أو تعاني العنف دون مقاومة، ما يعزز دورة السلوك العدواني.

 

من منظور سلوكي، معالجة العنف لا تقتصر على العقاب فقط، بل تتطلب إعادة تعلم السلوكيات الصحيحة وتنمية مهارات بديلة للتعامل مع الضغوط. يمكن استخدام أساليب مثل التعزيز الإيجابي للسلوكيات السليمة، تعليم التحكم في الانفعالات، تدريب حل المشكلات، ومحاكاة المواقف الاجتماعية بطريقة آمنة. هذه المقاربة تؤكد أن العنف ليس قدرًا محتمًا، بل سلوك يمكن تغييره من خلال تعديل البيئة، التعلم، والتقنيات السلوكية الممنهجة.

 

في المقابل، شهدت بعض المناطق في ربوع المملكة خلال الآونة الأخيرة تداول روايات وشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن محاولات اختفاء أو اختطاف، وهو ما أعاد مشاعر الخوف والقلق لدى عدد من الأسر والآباء الذين باتوا يخشون على أطفالهم. وتحدث بعض المواطنين فوق سن الثامنة عشرة في فيديوهات متداولة عن تعرضهم لمحاولات استدراج من طرف أشخاص مجهولين، عبر أساليب مختلفة مثل فتح حديث عابر قبل وصول سيارة بسرعة إلى المكان، وهي روايات تبقى في حاجة إلى التحقق من قبل الجهات المختصة.

 

وفي هذا السياق، يظل من الضروري فتح تحقيقات قضائية معمقة من أجل الوصول إلى خيوط هذه القضية وفك رموزها وكشف حقيقتها للرأي العام. فمثل هذه التحقيقات كفيلة بتحديد ما إذا كانت هناك أفعال إجرامية منظمة تستوجب التدخل الحازم، أو مواجهة الادعاءات التي قد تهدف إلى خلق الهلع داخل المجتمع وتأجيج مشاعر الخوف لدى المواطنين. ويذكر أن بعض هذه الروايات تشير إلى أن مثل هذه المحاولات قد تحدث في أوقات يكون فيها الشارع شبه خال من المارة، خصوصًا بعد صلاة المغرب وأثناء صلاة التراويح. وهنا تطرح تساؤلات مهمة: هل الأمر يتعلق بحالات معزولة أم بوجود شبكات إجرامية تنشط في هذا المجال؟

 

ثم هل سيتم فتح تحقيقات للكشف عن ملابسات هذه الوقائع؟ أم سنشهد استنفارا أمنيا يعيد التوازن والطمأنينة داخل المجتمع؟

 

وفي هذا الصدد، تبقى الجهات الأمنية المختصة، وعلى رأسها مصالح الشرطة التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، الجهة المخولة قانونيا بالتحقيق في مثل هذه الجرائم والكشف عن حقيقتها، سواء تعلق الأمر بجرائم العنف أو الادعاءات المرتبطة بمحاولات الاختطاف.

 

تجدر الإشارة إلى أن الأيام المقبلة ستكشف دون شك خيوط هذه القضايا التي أعادت النقاش إلى الواجهة وهزت الرأي العام المغربي، الذي بات يستنكر الجرائم الأخيرة التي تطال النساء والأطفال وتضرب في الإحساس بالأمن والاستقرار الذي يعرف به المغرب. وبين توالي هذه الحوادث وتصاعد المخاوف داخل المجتمع، يظل السؤال المطروح هو: من سيكشف خفايا هذه القضايا؟ وهل ستفتح تحقيقات معمقة تعيد الطمأنينة للمواطنين وتضع حدا لهذه الظواهر التي تهدد السلم الاجتماعي؟

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .