استمرارية التعليم العتيق في المغرب: حلول ناجحة لمواجهة تحديات العولمة والحفاظ على الهوية
في زمن تتسارع فيه وتيرة التغييرات الرقمية والثقافية العالمية، يبرز التعليم العتيق في المغرب عند كل منعطف كنموذج حي للتوفيق بين الحفاظ على التراث والتكيف مع متطلبات العصر. هذا النمط التعليمي، الذي يركز على حفظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية مع دمج مواد حديثة، لم يفقد دوره كأداة تربوية فعالة، بل تحول اليوم إلى حل عملي يساهم في محاربة الهدر المدرسي، تعزيز الوسطية، وبناء مواطن ملتزم بقيم وطنه.جذور التاريخية القوية بدأت مع الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري، حيث تحولت المساجد إلى مراكز تعليم وتربية. تطورت المؤسسات مع الدول المتعاقبة (المرابطين، الموحدين، المرينيين)، وبناء جامعة القرويين في فاس عام 245 هـ كانت نقطة تحول كبرى.
خلال فترة الحماية الفرنسية، واجه التعليم العتيق التهميش، لكنه صمد بفضل مقاومة العلماء والمجتمع، الذين اعتبروه وجهاً من وجوه المقاومة الثقافية.
بعد الاستقلال، شهد إصلاحات جذرية، بدءاً بلجنة ملكية عام 1957، مروراً بجهود محمد الخامس في تجديد المناهج.
اليوم، يعكس تطور التعليم العتيق نجاحاً ملموساً: ارتفع عدد المدارس العتيقة من 114 إلى 275 مدرسة (حسب تصريح وزير الأوقاف أحمد التوفيق أمام البرلمان في 2025)، مع ميزانية قفزت إلى 332 مليون درهم في 2025. وفي بعض الإحصاءات الأحدث، بلغ العدد 285-286 مؤسسة، تضم نحو 29-30 ألف متعلم، نصفهم في الوسط القروي.هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل دليل على حلول ناجحة دمج مواد مثل الرياضيات واللغات الأجنبية، تحديث البرامج (كالمقرر الوزاري رقم 265 لسنة 2024)، وزيادة المنح الدراسية لتشجيع الإقبال.
![]()
“المسيد” الحل الأولي للتربية الشاملة:
يبقى المسيد (الكتاب القرآني) الركيزة الأساسية في التربية المبكرة. يعمل كامتداد طبيعي للأسرة و باقي المؤسسات، يُعلم الطفل حفظ القرآن، الانضباط، الاحترام، والانتماء الاجتماعي.
في المناطق الريفية، التي تعرف إنتشار أوسع يساهم التعليم العتيق بشكل فعال في الحد من الهدر المدرسي، خاصة في مناطق مثل سوس، حيث يُعد حلّاً عملياً للوصول إلى الأطفال البعيدين عن المدارس التقليدية.
اليوم، يندمج المسيد ضمن برامج محو الأمية بالمساجد، ويُعزز قيم المواطنة والوسطية، مما يجعله أداة وقائية ضد التطرف والانحرافات الإيديولوجية.
تشريف الخريجين: استثمار في رأس المال البشري.
يحظى خريجو التعليم العتيق باحترام كبير في المجتمع المغربي، حيث يُنظر إليهم كحماة للثوابت الدينية والوطنية. ساهموا تاريخياً في مقاومة الاستعمار والتطرف، وأنتجوا علماء بارزين. اليوم، يُكرمون في “أعراس القرآن”، ويُدمجون كأئمة ومرشدين و بعضهم يكمل رسالته خارج حدود المغرب، مع الاعتراف بشهاداتهم للانخراط في الجامعات والسوق المهني.هذا التشريف يعكس حلّاً اجتماعياً ناجحاً:
تحويل التراث إلى فرص عمل ومساهمة فعالة في المجتمع!
![]()
مواجهة تحديات العولمة:
ينظر التعليم العتيق كنموذج للصمود الذكي أمام العولمة والتكنولوجيا، يواجه التعليم العتيق تحديات مثل الجمود أو المنافسة من التعليم الرقمي. لكنه يقدم حلولاً مبتكرة .. تحديث المناهج، زيادة الدعم المالي، ورفع قيمة المنح (كما في مشروع المرسوم الأخير 2026). هذه الخطوات تجعله قادراً على الحفاظ على جوهره الروحي مع مواكبة الاحتياجات الحديثة، مما يقلل من مخاطر الانقطاع والأمية.
الصورة الأكبر:
يُثبت التعليم العتيق في المغرب أنه ليس مجرد تراث، بل حل عملي ومستدام لتحديات العصر. بدعم الدولة والمجتمع، يستمر في بناء أجيال متوازنة تجمع بين الأصالة والحداثة، ويبقى مصدر إلهام للدول التي تبحث عن توازن بين الهوية والتطور.
Comments ( 0 )