الإنسان ذو القيم الثابتة: صمام أمان ضد نظرية الإخضاع والطاعة
لا يخفى على أحد اليوم ما يعيشه العالم من أزمات متتالية، حروب وتوترات، وانتشار واسع للفيروسات، بالإضافة إلى التغيرات المناخية، ورفع نسبة الحذر الشديد مما يحمله الغد. حيث تتشابك المنظومات السياسية والاقتصادية والإعلامية، ويصبح الخوف أداة للتحكم. هنا يبرز سؤال حاسم: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية وسط تراكم التهديدات النفسية والاجتماعية، ومحاولات الإخضاع المبنية على الخوف والطاعة؟
الإجابة تكمن في القيم الثابتة، أي تلك المبادئ التي لا تتغير بتغير الظروف ولا تساوم على المصلحة المؤقتة. فالإنسان الذي يُبنى على هذه الأسس يصعب إخضاعه، لأنه ليس رهينا للتهديدات الاقتصادية أو الإعلامية أو حتى للضغط النفسي الممنهج. لذلك تجده مستقلا فكريا، متوازنا نفسيا، مؤمنا بمعتقداته، وقادرا على تحليل الأوضاع بشكل منطقي واستشراف الاحتمالات والاستعداد لها.
القيم الثابتة: حصن داخلي لا يُقهر
هذه المبادئ ليست شعارات أو قواعد نظرية، بل مرجعية عملية وأداة مقاومة فعالة، تمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قراراته بثبات، ورفض التنازل عن مبادئه رغم جميع العوائق، فضلا عن ممارسة الصدق والشجاعة يوميا، حتى في المواقف الصغيرة.
فالإنسان الذي يلتزم بها في تفاصيل حياته اليومية يصبح مقاوما طبيعيا لأي محاولة تهدف لتشكيل رأيه أو إخضاعه، حتى لو حاولت القوى استغلال الخوف أو التهديد بقطع الكهرباء أو الإنترنت أو التحكم الغذائي كما يروج لذلك من إشاعات في منصات التواصل الاجتماعي أو غيرها.
الوعي والفهم: فهم الإشارات حصن متين
لعل أهم عنصر في حصانة الإنسان هو فهم كيفية عمل القوى المؤثرة عالميا. فالفهم لا يعني الخوف، بل التمييز بين التهويل والواقع. وهذا الوعي يمكّنه من:
ـ تحليل الأخبار والتحذيرات بالمنطق
ـ إدراك الفرق بين التهديد النفسي والتأثير الواقعي
ـ اتخاذ قرارات مستقلة قائمة على ما يمكن التحكم فيه فعليا، لا على الذعر
لذلك، فالإنسان الواعي لا يعيش في خوف مستمر من انقطاع الكهرباء أو انهيار المنظومة أو مما قد يحدث غدًا حتى وإن لم تكن إشاعات، ولا يخوض في أمور الغيب، بل يدرك نقاط القوة والضعف ويضعها في نصابها.
المرونة والاعتماد على الذات: بدائل لحياة مستقلة
في هذا السياق، لا تكفي هذه المبادئ وحدها، إنما يجب دعمها بالمرونة العملية. فعلى اعتبار أن القدرة على التكيف، وامتلاك مهارات متعددة، وبناء شبكة موارد مستقلة، كلها عوامل تجعل الإنسان:
ـ أقل تأثرا بالضغط النفسي أو التهديدات المفاجئة
– يستطيع الحفاظ على استقلاليته حتى في الأزمات غير المتوقعة
– أكثر قوة في مواجهة محاولات الاستغلال، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفكرية
العلاقات الإنسانية: حماية مضاعفة
إن الاستقلال الداخلي لا يعني العزلة. لأن العلاقات الإنسانية الصادقة تمثل خط دفاع إضافي، حيث:
ـ تقدم الدعم المعنوي والمادي
ـ تقلل من تأثير الضغط النفسي
ـ تحمي من الانعزال والاعتماد الكامل على المنظومة
وبذلك، تشكل هذه الشبكات درعا اجتماعيا يحد من قابلية الإنسان للخضوع لسياسات التخويف المرتبطة بالمستقبل والكوارث المحتملة.
الخطر الحقيقي: الخضوع النفسي لا الانقطاع المادي
ليست الكهرباء أو الإنترنت أو الغذاء هي الخطر الأكبر، بل الخطر الحقيقي يكمن في الإنسان الذي يربط قيمه بالمصلحة أو بالخوف، ويعيش في انتظار الكارثة أو رهبة فقدان رفاهه المعتاد، دون امتلاك القدرة على مواجهة الضغوط دون أن يفقد ذاته.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل وصلنا إلى التوازن النفسي؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة بناء مناعتنا النفسية؟
لذلك يعتبر الإنسان ذو القيم الراسخة لا ينهار أمام التهديدات، لأنه يملك مرساة داخلية ثابتة.
التهويل مقابل الواقع: أداة للإخضاع النفسي
لعل الحديث عن انقطاع شامل للكهرباء أو الإنترنت غالبا ما يُستعمل كأداة تهويل نفسي أكثر من كونه واقعا مؤكدا. لا يمكن نفي إمكانية التعطيل الجزئي، لكنها تظل محدودة. ولا توجد حتى الآن، معطيات أو تقارير موثوقة تؤكد إمكانية تنفيذ انقطاع عالمي شامل وطويل الأمد لهذه الخدمات، خاصة أن التداعيات ستكون مكلفة ومعقدة على مختلف المستويات.
في المقابل، يتمثل التحكم الفعلي اليوم في الاعتماد المتزايد على الأنظمة والخدمات، لا في قطعها وذلك عن طريق:
ـ استمرار الإنترنت يعمق الاعتماد عليه
ـ ارتباط الحياة بالكهرباء يكرس نمطا من السيطرة اللينة
ـ منظومة الغذاء والسوق تجعل الفرد محكوما بالخيارات المتاحة
ـ أمثلة واقعية من العالم المعاصر
خلال جائحة كوفيد-19، شهد العالم حالة غير مسبوقة من القلق الجماعي. فرضت الحكومات إجراءات صحية صارمة مثل الحجر الصحي وإغلاق الحدود، وهي إجراءات مدعومة بتقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية للحد من انتشار الفيروس.
لكن في المقابل، ساهمت التغطيات الإعلامية المكثفة وتدفق المعلومات في تضخيم مشاعر الخوف، ما أثر بشكل واضح على السلوك الفردي والجماعي.
وفي سياق آخر، أعادت التوترات الدولية، خاصة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، المخاوف من استخدام السلاح النووي إلى الواجهة، مع صدور تصريحات رسمية تلمح إلى ذلك. غير أن خبراء العلاقات الدولية يؤكدون أن هذا الخيار يظل شديد التعقيد والتكلفة، ويستخدم أساسا كأداة ردع.
كما شهد الفضاء الرقمي انتشار شائعات حول انقطاع عالمي للكهرباء أو الإنترنت، دون وجود تقارير موثوقة تؤكد ذلك، رغم تسجيل انقطاعات محدودة في بعض الدول بسبب أعطال أو أزمات طاقية.
أما الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات والتغيرات المناخية، فهي مخاطر مثبتة علميا، حيث تشير تقارير علمية دولية إلى تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، لكن تداولها خارج سياقها العلمي قد يساهم في تضخيم الإحساس بالخطر.
المناعة النفسية: أداة المقاومة الحقيقية
يتميز الإنسان الذي يرتكز على تقوية مناعته النفسية بكونه يعيش استقلالا داخليا حقيقيا، يوازن بين الوعي والمرونة، ويعزز شبكة داعمة حوله. كما يطور مهاراته وقدرته على الاعتماد على الذات، لانه يدرك أن الخطر النفسي الحقيقي هو الخضوع عبر الخوف أو المصلحة.
بهذا الشكل، يصبح حصنا حيا في عالم هش، قادرا على مواجهة الضغوط دون أن يُستعبد نفسيا، ويجسد نموذجا لحياة حرة وكريمة، حيث تشكل القيم الداخلية الدرع الأقوى في وجه كل أشكال الإخضاع.
Comments ( 0 )