الترويض والانبطاح بين الردائة و التفاهة

الترويض والانبطاح بين الردائة و التفاهة

 

 

 

 

سوسيولوجيا الرداءة في المجتمع: جذورها، انتشارها، وآفاقها المقلقة في أعماق المجتمعات الصاعدة.

 

تتجلى ظاهرة “سوسيولوجيا الرداءة” التي لم ترقى بعد الى دراسة أكاديمية، كواقع يومي تجاوز التجارب الشخصية ليصبح نمطاً اجتماعياً متجذراً. من خلال تجربة ميدانية بسيطة _مثل رفض الحوارات البناءة الى ممانعة أفكار كبناء ملاعب تنس أو تنظيم حملات تطوعية لتشذيب الأشجار الى حدود نسف النقاشات_ تعتبر كل مبادرة في هذا الإتجاه ثرفا و لا تدخل في إطار المهام الوظيفية، تبرز الرداءة كثقافة تعانق الاستسلام والفوضى داخل الفضاء المشترك. هذه الايحاءات ليست استثناءات، بل تعكس نمطاً يمتد إلى داخل المنازل، حيث يسود الإهمال في الصيانة اليومية، ويصبح الصالون الوحيد المُرتب رمزاً للظهور الخارجي المزيف، بينما تغرق المطابخ والمراحيض في فوضى تعايشت معها الأجيال.

 

هذه الظاهرة، التي توصف الآن في بعض الاوساط المفكرة بـ”أسلوب علي بابا” و الأربعين حرامي، تربط الجودة بالأُجرة فقط، و الجدية بتقلُد المسؤولية أمام الجماهير فقط وترى في الإهمال و التفاهة ذكاءً شعبياً، مستمدة قوتها من مقولات مثل “الشياطة كتعلم السرقة” في المخيال المغربي.

 

وكما يذكر كارل ماركس أن “ازدهار الأمم يكمن في ممارسة الهوايات”، فإن غياب المبادرات يُعمق الرداءة، محولاً المجتمع إلى فضاء يفضل الرُقية -غيرـ الشرعية على الرُقي الحقيقي.

 

مصادر الظاهرة من الجذور الاجتماعية إلى الانهيار الأكاديمي و غياب دور المثقف، تعود في اصلها إلى عدم تقديس المبادئ والقيم، لكن و كما يبرز في الخطاب الديني الذي ينبه إلى أن الرداءة ليست قرينة الإيمان و المعتقد، بل نتيجة عوامل اجتماعية تجعلها سنة حياة. في القرآن الكريم، يُثنى على الإتقان في قوله تعالى: “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ” (النمل: 88)، و”مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ” (الملك: 3). ومع ذلك، تتجلى الرداءة في الأداء اليومي، من صلاة متسرعة إلى قراءة قرآنية سطحية، مروراً بالإنتاج الأسري والتعليمي الذي يفتقر إلى الجودة.

 

هذه الظواهر عمت مجتمعات و أمم، لكنها في المغرب تأخذ طابعاً خاصاً، مستمداً من تاريخ كولونيالي شكل فيه الفعل السوسيولوجي أداة وصفية و تجسسية للسيطرة، كما في دراسات الإدارة الفرنسية التي ركزت على التقارير دون التحليل العميق. على الصعيد الأكاديمي، يشهد الحقل الجامعي المغربي انحداراً تدريجياً نحو الرداءة، حيث تتحول حقول معرفية من فضاء للصراع الفكري إلى مصنع للامتثال. كما يصف محمد جسوس: “إنهم يصنعون جيلاً من الضباع”، في إشارة إلى آليات الترويض والانبطاح التي تهيمن على التكوين. رواد السوسيولوجيا المغربية مثل عبد الكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي أسسوا لسوسيولوجيا مغربية خالصة، منحازة للحق والنقد، لكنها اليوم تواجه إعادة نظر في ظل إفراغ الجامعة من بعدها التحرري و إفراغ الاعلام و التعليم من حسه النقدي والابداعي. هذا الانهيار يعزز الرداءة كمنهجية، حيث يصبح البحث الأكاديمي قاصراً، والتعليم يركز على الشهادات الوهمية بدلاً من بناء الوعي النقدي فيما يتفنن الاعلام في صناعة التفاهة.

 

في الوقت الراهن تسلل الرداءة إلى الخطاب الشعبوي والإعلامي في الزمن الحاضر، أصبحت الرداءة والتفاهة خطاباً شعبوياً يتسلل إلى الإعلام والسياسة، مستفيداً من المنصات الرقمية ليصبح حديث الرأي العام. في المغرب، يظهر هذا في انتشار المحتوى السطحي على وسائل التواصل، حيث يسيطر الضجيج غير البنّاء على النقاشات، ويغيب الوعي الجمعي عن تحديد الخلل. السياسة، بدورها، تعاني من “سياسة الارتطام بالحائط”، كما في وصف زمن الرداءة الذي يؤدي إلى التشرذم والتفكك، مدعوماً بنخب أكاديمية تتحدث عن “اللاتنمية” بدلاً من التنمية. هذا الخطاب الشعبوي يرتبط بأمراض المجتمع مثل التنمر والحقد و الفضائحية، حيث يصبح الرُّقي مكاناً يُقصد خفية، بينما تنتشر دور الرُّقية كبديل عن التقدم الحقيقي.

 

الإعلام في ضل التسيب يعزز هذا بترويج الغش والخديعة، محولاً الرداءة إلى عنوان مرحلة صاخبة، كما في صناعة التفاهة التي ترى في الغوغاء قوة ضاربة نحو الخراب.

 

هل للمجتمع دور في انتشار هذه السوسيولوجية؟

 

لا شك في أن التفكك المجتمعي يوفر أرضية خصبة لها، حيث يفقد الأفراد الروابط الاجتماعية التقليدية، مما يجعل رداءة الروابط نحو التفاهة خياراً سهلاً في غياب الرقابة الذاتية. كما في قصة الدجاجة والبيضة، هل غياب المراقبة أنتج الرداءة، أم العكس؟ هذا التفكك، المعزز بالتحولات الاقتصادية والرقمية، يجعل التفاهة ملاذاً من الضغوط اليومية. لكن، هل تخدم التفاهة والرداءة قيماً في سياق التحولات الاجتماعية؟

 

في سياق التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب، مثل العولمة والرقمنة، يبرز السؤال: هل يمكن أن تخدم التفاهة والرداءة قيماً معينة؟ لربما، في بعض السياقات، تكون التفاهة شكلاً من أشكال المقاومة ضد الضغط الاجتماعي نحو الكمال، أو وسيلة للتعبير عن الإحباط الجماعي.

 

لكن كيف؟ من خلال المنصات الرقمية التي تحول الرداءة إلى محتوى فيروسي، مما يعزز الشعور بالانتماء لدى الطبقات المهمشة،في أوقات الأزمات الاقتصادية و الكوارث، حيث يصبح التركيز على البقاء بدلاً من الجودة، لأنها توفر إحساساً بالحرية المؤقتة من المعايير الصارمة، لكنها في النهاية تعمق الانهيارات، محولة المجتمع إلى فضاء مُفرغ من المعنى.

 

اسئلة كثيرة حاولنا الإجابة عنها أعلاه، لكن هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، تدعو إلى نقاش أعمق دون إجابات قاطعة في الوقت الحالي .

 

منظور مستقبلي:

 

مجتمع ينتبه إلى ما صنعه في غفلة. في المستقبل، إذا استمرت سوسيولوجيا الرداءة، قد يشهد المغرب تفاقماً في التشرذم، مع انتشار أكبر للخطاب الشعبوي الذي يهدد التقدم الظاهري. ومع ذلك، انتباه الرأي العام مؤخراً إلى هذه الظاهرة يشير إلى إمكانية التغيير، من خلال إعادة تأسيس سوسيولوجيا مغربية نقدية، مستلهمة من رواد مثل الخطيبي والمرنيسي. يجب على المجتمع مواجهة ما شكله في غفلة، بتعزيز القيم والمبادئ، ليحول الرداءة من سُنّة إلى درس تاريخي. فالازدهار الحقيقي يكمن في الإتقان، لا في الاستسلام.

 

 

 

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .