التنظيم الذاتي للصحافة: بين الفكرة النبيلة والواقع المعطل
تطرقنا في المقالتين السابقتين للإطار القانوني والتجربة الميدانية بمهنة الصحافة، وسننتقل هنا إلى محور آخر لا يقل أهمية: سؤال التنظيم الذاتي، الذي يُفرض نفسه كحلقة مركزية في فهم اختلالات قطاع الصحافة بالمغرب. بين النصوص التي تؤطر هذا المبدأ، والواقع الذي يُفترض أن يُجسّده، تتسع الفجوة لتطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود هذا النموذج وإمكاناته الحقيقية.
التنظيم الذاتي في جوهره ليس مجرد آلية تقنية لتدبير المهنة، بل هو تعبير عن نضج مهني يفترض أن يجعل الصحافة قادرة على تقويم نفسها بنفسها، بعيدًا عن تدخل السلطة أو التبعية، تفاديا لفقدان إشعاعها وضمان استقلاليتها لتجويد الخدمات المقدمة. غير أن هذا التصور، رغم وجاهته النظرية، يعاني في السياق المغربي من تحديات عميقة ترتبط ببنية القطاع نفسه، الذي يحتاج إلى إصلاح حقيقي يرقى إلى مستوى التطلعات.
المجلس الوطني للصحافة: الأدوار والحدود
أُحدث المجلس الوطني للصحافة كآلية لتجسيد مبدأ التنظيم الذاتي، حيث أوكلت إليه مهام متعددة، أهمها:
ـ صيانة أخلاقيات المهنة
ـ منح بطاقة الصحافة المهنية
ـ البت في الشكاوى المرتبطة بالممارسة الصحفية
على المستوى النظري، إن هذه الأدوار تجعل المجلس مؤسسة محورية لضبط التوازن داخل القطاع الإعلامي. لكنه يظل محدود التأثير، إذ لا يمتلك سلطة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمهنة، مثل الأجور، العقود، أو شروط التشغيل.
هنا يظهر أول تناقض بنيوي: كيف يمكن لمؤسسة أن تراقب أخلاقيات المهنة في حين أن شروط ممارستها نفسها تعاني من اختلالات عميقة؟ هذه المفارقة ليست مجرد نقطة نظرية، إنما تجربة يومية يعيها الصحفي في عمله، حيث يشعر بالضغط المستمر بين الالتزام بالمعايير الأخلاقية والواقع المهني غير المستقر.
![]()
من يمثل من؟
يقوم نموذج التنظيم الذاتي على مبدأ التمثيلية المهنية، أي أن الصحفيين والناشرين يشاركون في تدبير شؤونهم بأنفسهم. غير أن هذا المبدأ يطرح إشكالا عمليا يتعلق بمدى شعور الفاعلين داخل القطاع، خاصة الصحفيين الشباب، بأنهم ممثلون فعليا داخل هذه البنية.
في ظل تفاوت التجارب المهنية واختلال موازين القوة داخل المؤسسات الإعلامية، يصبح سؤال التمثيلية أكثر تعقيدا: هل تعكس البنية الحالية فعلا صوت الصحفيين في بداية مسارهم المهني؟ أم أنها تميل نحو تمثيل فئات أكثر استقرارا داخل القطاع؟
هذا الإشكال لا يرتبط فقط بطريقة التشكيل، بل أيضا بمدى انخراط القاعدة المهنية في هذه المؤسسة، وهو ما يظل محدودا في كثير من الحالات. الصحفي الشاب غالبا لا يشعر أن له ظهرا مؤسساتيا، رغم وجود إطار رسمي يبدو نظريا شاملا.
لماذا لا يشعر الصحفي بأن له ظهر مؤسساتي؟
رغم الإطار المؤسسي، يعبر عدد من الصحفيين عن شعورهم بغياب سند فعلي يحميهم من الإكراهات المهنية، سواء المادية أو الاعتبارية أو الاجتماعية، إلى جانب المشاكل التي قد يتعرض لها أثناء مزاولة مهامه، مثل:
ـ تضييق أو رقابة غير مكتوبة
ـ تهديدات مباشرة أو غير مباشرة عند التعامل مع ملفات حساسة
ـ صعوبات اقتصادية تضغط على جودة العمل
![]()
هذا الشعور مرتبط بطبيعة اختصاصات المجلس، التي تركز أساسا على الجانب الأخلاقي والتنظيمي، دون أن تمتد إلى الحماية الاجتماعية أو المهنية المباشرة. بمعنى آخر، قد يجد الصحفي نفسه مطالبا باحترام أخلاقيات صارمة دون توفر شروط مهنية مستقرة تمكنه من الالتزام بها. هذا التفاوت يخلق نوعا من “اللا توازن”، حيث تتحول المسؤولية الأخلاقية إلى عبء فردي، بدل أن تكون جزءا من منظومة متكاملة توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
حدود النموذج القائم
لفهم الوضع بشكل أفضل، يمكن التمييز بين مستويين:
1ـ الفكرة
التنظيم الذاتي هو نموذج معتمد دوليا ومن أهم ركائز حرية الصحافة. يحد من تدخل الدولة في المحتوى الإعلامي، ويجعل المهنة مستقلة، تقوم بذاتها دون تعدي الحدود، ويساهم نظريا في ضبط الجودة المهنية.
2 ـ الشروط
إن نجاح هذا النموذج يفترض توفر:
ـ مؤسسات إعلامية مستقرة اقتصاديا
ـ صحفيين بعقود واضحة ومحددة
ـ حد أدنى من الحماية الاجتماعية
هذه الشروط، كما رصدنا في المقالة الثانية، لا تتوفر بشكل كافٍٍ في السياق المغربي. على اعتبار أن بعض المؤسسات الصغيرة تصارع للبقاء، لكنها تصمد رغم الظروف الاقتصادية القاسية، من أجل الحفاظ على استمرار الصحافة الحرة رغم تجرع مرارة التداعيات الإقتصادية. هذا الصمود يظهر قدرة مهنية عالية لبعض المؤسسات الإعلامية المغربية و يتطلب حلول عاجلة لضمان استمرارها بدلا من انهيارها، بالمقابل بالوضع يظل مرهقا للصحفيين العاملين، الذين يتعرضون لهشاشة مزدوجة: اقتصادية واجتماعية.
التنظيم الذاتي وحدوده الاقتصادية
لا يمكن فصل التنظيم الذاتي عن البنية الاقتصادية للقطاع. فالمقاولة الإعلامية التي تعاني من ضعف الموارد غالبا ما تنقل هذا الضغط إلى الصحفي، سواء عبر:
ـ هشاشة العقود
ـ تعدد المهام بدون تعويض مناسب
ـ ضعف الأجور
في هذا السياق، يصبح الالتزام بالمعايير المهنية صعبا للغاية، في ظل غياب الشروط التي تسمح بتطبيقها. وهنا تظهر مفارقة أساسية تتمثل في أن التنظيم الذاتي يُفترض أن يحمي المهنة، لكنه يجد نفسه محاطا ببيئة غير ملائمة لتحقيق الهدف، ما أدى إلى نتائج ملموسة تظهر في الإعلام اليوم.
ما يكشفه واقع التنظيم الذاتي في المغرب ليس فشل الفكرة في حد ذاتها، بل محدودية تنزيلها في إطار لا تتوفر فيه شروطها الأساسية. بالمقابل فإن المجلس رغم أهميته، لا يمكنه تعويض:
ـ غياب عقود واضحة
ـ ضعف الأجور
ـ هشاشة الوضع الاجتماعي للصحفي
وبالتالي، تحميله مسؤولية إصلاح القطاع بالكامل يتجاوز حدود وظيفته الفعلية.
شهادات صحافيين وصحافيات
شهادة صحافية
“دخلت المهنة بحماس كبير، لكن الضغوط الاقتصادية اليومية تجعلني أفكر أحيانًا في الرحيل. لأنني اكتشفت أن القوانين موجودة على الورق، بينما يبقى التنفيذ غائبا،فضلاعن عقود عمل بعض الصحفيين التي تتميز بالهشاشة، ناهيك عن الأوضاع المهنية غير المستقرة. ومع ذلك، ما يدفعني للاستمرار هو شغفي بالمهنة النبيلة، واستمرارية المؤسسة التي أعمل بها. أشعر أنني أتبع مسارًا نضاليًا، حيث أصبحت رسالتي المهنية جزءًا من مقاومة وصمود من أجل تجاوز هذا المخاض المؤسساتي. لأنني أؤمن بأن هناك بوادر انفراج، ويبدو أن التحسين قادم، رغم طول الطريق الذي أمضيناه رغم قصر مدته طال بمرارته..”
شهادة صحافي:
“الدستور يحمي حرية الصحافة حبر على ورق، لكن في الواقع، نعاني من عقود عمل غير مستقرة تضطرنا أحيانًا للتنازل عن مستحقاتنا للحفاظ على الاستقلالية. إضافة إلى الممارسة المهنية تجعلنا أحيانًا نتعاون مع مؤسسات كبرى بدون مقابل مادي، فقط للحفاظ على اسمنا ووجودنا داخل دائرة توفر حماية رمزية على الأقل. رغم كثرة التحديات اليومية، لكن التمسك بالمهنية والاستمرار في العمل يظل خيارنا الأساسي.”
![]()
ما يمكن فعله غدا
لعل أبرز ما يمكن فعله هو إعادة التفكير في التنظيم الذاتي، وليس التخلي عنه، بل تكييفه مع واقع المهنة عبر خطوات عملية:
ـ توضيح حدود تدخل المجلس الوطني للصحافة بشكل أدق، لتفادي تحميله أدوارا خارج اختصاصه.
ـ تعزيز تمثيلية الصحفيين الشباب داخل بنياته، بما يعكس
ـ تنوع الجسم المهني ويمنح صوتا فعليا لمن في بداية المسار المهني.
ـ ربط أخلاقيات المهنة بشروط ممارستها، عبر التنسيق مع السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والدعم، لضمان أن يكون الالتزام ممكنا وليس عبئا إضافيا.
ـ التفكير في آليات موازية توفر حماية مهنية واجتماعية، دون المساس باستقلالية التنظيم الذاتي، مثل صناديق حماية أو آليات تظلم مستقلة.
ـ مرصد وطني لصحافة الحلول
هذه حلول مقترحة للمشاركة في الإصلاح الفعلي لقطاع الصحافة، لكنها تؤكد حقيقة أساسية: التنظيم الذاتي خيار ضروري لبناء أي صحافة حرة، لكنه لا يمكن أن ينجح في ظل غياب حماية الصحفي. بدون صحفي محمي، يظل هذا النموذج أقرب إلى تصور نظري منه إلى ممارسة قادرة على ضبط المهنة وتطويرها.
Comments ( 0 )