الرجل تحت الضغط: عنف من نوع آخر في ظل التحديات النفسية والاجتماعية

الرجل تحت الضغط: عنف من نوع آخر في ظل التحديات النفسية والاجتماعية

 

 

 

تختلف نقاشات المجتمع حول العنف، حيث يتركز الاهتمام غالبا على النساء والأطفال، بينما تبقى تجارب الرجال تحت الضغوط اليومية أقل ظهورًا في الإعلام أو الدراسات الاجتماعية. ومع ذلك، هناك ضغوط نفسية، اجتماعية، واقتصادية متراكمة يواجهها الرجل منذ بلوغه سن الرشد، تستحق التوقف عندها وتحليلها ليس لتبرير أي سلوك سلبي، بل لفهم أسبابه ووضع حلول عملية وشاملة تشمل الأسرة والمجتمع.

 

الضغوط منذ سن الرشد

 

منذ البلوغ، يبدأ الرجل رحلة طويلة من المسؤوليات: الدراسة، البحث عن العمل، إعالة الأسرة، التحضير للزواج، ورعاية الأبناء. كل هذه الالتزامات تتراكم لتصبح عبئا نفسيا مستمرًا يتطلب الصمود وعدم الانهيار، حتى في مواجهة ظروف العمل الصعبة أو التحديات الاجتماعية. يقول أحد الرجال “أشعر أحيانا أن مسؤولياتي اليومية تضغط علي بشكل كبير بين العمل، متابعة متطلبات الأسرة، والتعامل مع المجتمع، ولا أحد يتوقف ليفهم كيف أشعر نفسيا.”

 

 

إن العمل والضغوط الاقتصادية غالبا ما تكون المصدر الأول للتوتر، حيث يتحمل الرجل مسؤولية توفير السكن، التعليم، الغذاء، والرعاية الصحية للأسرة، أحيانا بما يشمل الأسرة الممتدة. هذه المسؤوليات تولد شعورًا دائما بالضغط والقلق، ما قد يؤدي إلى آثار جسدية ونفسية ملموسة، مثل اضطرابات النوم، التعب المزمن، مشكلات القلب أو الجهاز الهضمي، والإجهاد النفسي المستمر.

 

العنف والضغوطات في العمل

 

بالتوازي مع ذلك، فإن الضغوطات لا تقتصر على البيت فقط، فالرجل يواجه تحديات في مكان العمل من:

 

رب العمل: مطالب مهنية، ضغط على الأداء، ساعات عمل طويلة.

 

الزملاء أو الموظفين: صراعات، عدم تعاون، مضايقات صغيرة لكنها متراكمة.

 

 

هذه التحديات اليومية تضيف عبئا إضافيا على الرجل، وتزيد من شعوره بالإرهاق النفسي والجسدي.

 

العنف المنزلي وغير المرئي ضد الرجال

 

رغم الاعتقاد السائد، فإن العنف لا يقتصر على النساء. بعض الرجال يتعرضون لإساءة عاطفية، جسدية، أو تهديدات نفسية في محيط الأسرة أو العمل. بحسب Mayo Clinic، يشمل العنف ضد الرجال الاعتداء الجسدي والنفسي والتهديدات المستمرة، وغالبا ما يخفى خوفا من وصمة الرجولة أو فقدان الاحترام الاجتماعي.

 

 

العنف ضد الرجال: أرقام وإضاءات من الواقع المغربي

 

أظهرت دراسة المندوبية السامية للتخطيط ضمن البحث الوطني حول العنف ضد النساء والرجال لسنة 2019، أن العنف ضد الرجال ظاهرة متعددة الأبعاد. فقد تعرض 70٪ من الرجال لعنف واحد على الأقل خلال حياتهم، فيما واجه 42٪ منهم أشكالا من العنف خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للبحث، مع تفوق النسبة في الوسط الحضري (46٪) مقارنة بالقرى (35٪). ويعد العنف النفسي الشكل الأكثر شيوعا (73٪)، يليه العنف الجسدي (20٪)، ثم الجنسي (4٪) والاقتصادي (3٪).

 

كما سجل الفضاء الزوجي أعلى معدل للعنف، إذ تعرض حوالي 31٪ من الرجال للعنف من طرف الزوجة أو الشريكة، وكان أكثر انتشارًا بين الشباب بنسبة (61٪ للرجال مابين 15–24 سنة)، فئة العزاب، والرجال ذوي التعليم العالي. وتشمل مظاهر العنف النفسي الزوجي الغيرة، المراقبة المستمرة، وفرض طريقة إدارة شؤون الأسرة، إضافة إلى العنف العاطفي كالرفض أو الإذلال.

 

 

أما الفضاء العائلي، تركز العنف على المراهقين، بنسبة 12٪ من الرجال تعرضوا له من أحد أفراد الأسرة باستثناء الزوجة، وكان الأب بنسبة (52٪) والأخ بنسبة (30٪) أكثر المتسببين.

 

أما في أماكن العمل، تعرض 16٪ من الرجال للعنف النفسي غالبا من المسؤولين أو الزملاء، وفي المدارس والتكوين بنسبة 12٪، مع تفوق تعرض الرجال القرويين في هذا الفضاء.

 

كما أثر العنف الإلكتروني على أكثر من 10٪ من الرجال، خاصة الشباب، العزاب، والتلاميذ والطلبة. خلال الطفولة، سجل العنف الجسدي ارتفاعا بنسبة (49٪) غالبا من الوالدين والإخوة، بينما كان العنف الجنسي الطفولي أقل انتشارًا بما يقدر ب (3٪) وغالبا من طرف الغرباء أو الجيران.

 

تشير هذه النتائج إلى أن العنف ضد الرجال واقع متنوع ومرتبط بالعمر، الحالة الاجتماعية، التعليم، والتمدد الحضري، مع بروز العنف النفسي كأساس في العلاقات الزوجية وخارج إطار الزواج، بينما يظل العنف الجسدي أقل انتشارًا لكنه حاضر في الأماكن العامة بنسبة 44٪ من الحالات.

 

 

تشمل أنماط العنف المنزلي ضد الرجال السيطرة على المال، الملاحقة، التقييد الاجتماعي، الإساءة العاطفية والجسدية، وحتى التهديدات المباشرة. هذه التصرفات تضيف ضغطا نفسيا كبيرًا، وقد تؤدي إلى آثار جسدية ونفسية مثل القلق، الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة، اضطرابات النوم، مشاكل قلبية أو هضمية. لذلك، من المهم أن يلجأ الرجل إلى الدعم المناسب: التواصل مع شخص موثوق، الاستشارة النفسية، الخطوط الساخنة المحلية، ووضع خطة طارئة للسلامة عند الحاجة.

 

وفي هذا الصدد، تطرقنا لتحليل هذه الظاهرة من الجانب النفسي من خلال توجيه تساؤلات للدكتور محمد قصير وإليكم الحوار كالآتي:

 

ـ السؤال الأول: في نظركم بروفيسور، كيف تؤثر المسؤوليات اليومية على الصحة النفسية للرجل؟

 

من وجهة نظري، لا يمكن فهم الصحة النفسية للرجل بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يتحرك داخله. فالرجل في كثير من المجتمعات يُحمل، بشكل صريح أو ضمني، مجموعة من الأدوار الرمزية: دور المعيل، ودور الحامي، ودور صاحب القرار داخل المنظومة الأسرية. هذه الأدوار، على الرغم من أهميتها الاجتماعية، تُولد في الوقت ذاته ضغطا نفسيا متراكما، لأن الرجل يشعر بأن قيمته الذاتية تقاس بمدى قدرته على الوفاء بهذه الالتزامات.

 

 

من منظور علم نفس الشخصية، يتباين تأثير هذه المسؤوليات باختلاف البنية النفسية للفرد. فالأشخاص الذين يمتلكون نمط شخصية يميل إلى الكمالية أو إلى الشعور المفرط بالواجب قد يكونون أكثر عرضة للإنهاك النفسي.

 

كما أن بعض الرجال يطورون، عبر التنشئة الاجتماعية، آليات دفاعية تقوم على كبت الانفعالات أو إنكار الضيق النفسي، وهو ما يجعل الضغوط تتراكم في مستوى أعمق من الوعي.

 

أما إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية التحليل النفسي، فإن هذه الضغوط اليومية لا تختفي بمجرد تجاهلها، بل تنتقل إلى ما يمكن تسميته بالحيز اللاواعي للنفس. هناك تبدأ في التأثير بشكل غير مباشر في المزاج، وفي العلاقات الأسرية، وحتى في الصورة التي يحملها الرجل عن ذاته. ولهذا أقول دائمًا إن المسؤوليات في حد ذاتها ليست المشكلة، بل المشكلة الحقيقية تكمن في غياب المساحات النفسية التي تسمح للفرد بالتعبير عن التوتر وإعادة تنظيم توازنه الداخلي.

 

ـ السؤال الثاني: ما العلاقة بين تراكم الضغوط والعنف أو الانفعالات الحادة؟

 

العلاقة بين تراكم الضغوط والانفعالات الحادة علاقة وثيقة للغاية من الناحية النفسية. فالإنسان، عندما يعيش تحت ضغط مستمر دون أن يمتلك قنوات صحية للتفريغ أو التعبير، قد يصل إلى حالة من التوتر الداخلي المتصاعد. هذه الحالة يمكن تشبيهها بما يسميه علماء النفس “الاحتقان الانفعالي”، حيث تتراكم المشاعر السلبية مثل الإحباط والغضب والشعور بالعجز إلى درجة يصبح معها أي محفز بسيط قادرًا على إطلاق رد فعل مبالغ فيه.

 

التحليل النفسي يفسر هذه الظاهرة باعتبارها نتيجة صراع داخلي بين الدوافع والرغبات من جهة، وبين القيود الاجتماعية والأخلاقية من جهة أخرى. عندما يُطلب من الفرد باستمرار أن يضبط انفعالاته وأن يتحمل الضغوط دون شكوى، قد يتحول هذا الضبط إلى كبت نفسي طويل الأمد. والكبت، كما نعلم في علم النفس الديناميكي، لا يُلغي الانفعال بل يؤجله، وغالبا ما يعود في صورة انفجارات غضب أو سلوكيات اندفاعية.

 

 

ومن الناحية الاجتماعية، يجب أن نعترف بأن بعض التصورات التقليدية للرجولة تساهم أحيانا في تعقيد المشكلة. فالرجل قد يُربى على فكرة أن التعبير عن الحزن أو الضعف العاطفي أمر غير مقبول، بينما يُتسامح مع الغضب بوصفه تعبيرًا عن القوة. هذا الاختلال في التربية الانفعالية يجعل الغضب اللغة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الضيق، وهو ما قد يفسر لماذا يتحول الضغط النفسي أحيانًا إلى انفعال حاد أو سلوك عدواني.

 

ـ السؤال الثالث: ما هي استراتيجيات التكيف النفسي والصحي؟

 

في تقديري، التكيف النفسي مع ضغوط الحياة يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الوعي الفردي والدعم الأسري والبيئة الاجتماعية الداعمة. الخطوة الأولى تبدأ بالوعي الذاتي؛ أي قدرة الإنسان على التعرف إلى حالته النفسية وعلى تسمية مشاعره وفهم مصادر توتره. هذا الوعي يمثل في علم النفس حجر الأساس لأي عملية تنظيم انفعالي صحي.

 

على المستوى الأسري، يلعب التواصل العاطفي دورًا بالغ الأهمية. الأسرة ليست فقط إطارًا اقتصاديا أو اجتماعيا، بل هي أيضًا فضاء نفسي للتشارك والدعم المتبادل. عندما يشعر الرجل بأن بإمكانه الحديث بصراحة عن ضغوطه وتجاربه اليومية دون خوف من الحكم أو الانتقاص، فإن ذلك يخفف من حدة التوتر ويمنع تراكمه.

 

أما على المستوى العملي، فهناك مجموعة من الاستراتيجيات التي أثبتت فعاليتها في علم النفس الصحي، مثل ممارسة النشاط البدني المنتظم، وتنظيم أوقات العمل والراحة، والانخراط في أنشطة ثقافية أو اجتماعية تمنح الفرد إحساسا بالمعنى والانتماء. كما أن الاستشارة النفسية لم تعد اليوم علامة ضعف كما كان يُعتقد سابقا، بل أصبحت في كثير من المجتمعات مؤشرًا على وعي الإنسان بصحته النفسية وحرصه على الحفاظ على توازنه الداخلي.

 

وفي النهاية، أعتقد أن الرسالة الأهم هي أن الصحة النفسية ليست ترفا، بل شرط أساسي للحياة المتوازنة. الرجل الذي يعتني بتوازنه النفسي لا يحمي نفسه فقط، بل يساهم أيضًا في بناء أسرة أكثر استقرارًا ومجتمع أكثر إنسانية.

 

شهادة من واقع الحياة:

 

يقول أحد الرجال الذين تحدثنا معهم: “وماذا عن العنف الذي تمارسه قسوة الحياة على الرجل؟ أليس هذا الموضوع أحق بالنقاش؟ عندما تتراكم المشاكل فوق رأس الرجل، وهو مطالب بأن يلبي حاجيات بيته وزوجته وأولاده ووالديه وربما إخوته أيضا، ويكون المعيل الوحيد الذي يجب أن يفكر طوال النهار والليل في العمل وظروفه، وربما تتدهور صحته ولا يهتم حتى بالكشف عند الطبيب لأنه آخر شخص يمكن أن يفكر في نفسه. عندما تريدون مناقشة موضوع العنف، يجب تحليل نفسية الشخص الذي ترونه أنه المعنف. وهناك مثل قديم: حين اشتكت قطعة الخشب من ظلم المسمار، قال المسمار: لو تعلمين قوة الضغط التي تمارسها علي المطرقة لألتمست لي العذر.”

 

 

منظور علم الاجتماع: الضغط على الرجل

 

يؤكد الدكتور لحسن دحماني، أستاذ علوم التربية والسوسيولوجيا بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة تطوان الحسيمة، أنه إذا أردنا قراءة ظاهرة الضغط الذي يعيشه الرجل من الناحية الاجتماعية، فيمكن تناولها من خلال اتجاهين أساسيين: اتجاه العنف الرمزي كما صاغه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، وأيضا التفسير المادي الماركسي للدور الاجتماعي للرجل كما طرحه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني كارل ماركس.

 

ويوضح دحماني أن النقاشات المعاصرة غالبا ما تركز على الضغوط التي تعيشها المرأة داخل البنية الاجتماعية، وهو أمر يمكن تفسيره بتاريخ طويل من اللامساواة بين الجنسين. غير أنه، في المقابل، لا ينبغي إغفال حقيقة وجود ضغط اجتماعي وعنف رمزي يُمارس على الرجل أيضًا داخل المنظومة الاجتماعية والثقافية. وهذا العنف لا يتخذ بالضرورة شكلا ماديا مباشرًا، بل يظهر غالبا في صورة توقعات اجتماعية ومعايير ثقافية تحدد مسبقا ما يجب أن يكون عليه الرجل.

 

ويضيف أن المجتمع، من خلال بنيته الثقافية والاجتماعية، يفرض على الرجل أدوارًا محددة على مستوى العمل والأسرة والحياة العامة، بل وحتى في حياته الخاصة. ومن أجل فهم هذا الضغط الاجتماعي، ينبغي النظر إليه في إطار البناء الاجتماعي للأدوار، حيث لا يكتفي المجتمع بتنظيم العلاقات الاقتصادية والمؤسساتية، بل ينتج أيضا منظومة رمزية من القيم والمعايير التي تعطي معنى للرجولة والأنوثة.

 

 

وفي كثير من المجتمعات المغاربية، بل وفي معظم المجتمعات في العالم، يُنظر إلى الرجل باعتباره المعيل الأساسي للأسرة وصاحب السلطة داخل المجال العائلي، وهو الفاعل القادر على التحمل والصمود أمام الصعوبات. غير أن هذه الصورة الاجتماعية لا تُقدم عادة بوصفها اختيارًا فرديا، بل تُطرح باعتبارها التزاما أخلاقيا واجتماعيًا. لذلك تتم تنشئة الأطفال منذ الصغر على أن يكون الرجل “رجلا” وفق هذه المعايير، والمرأة “امرأة” وفق معايير أخرى، بحيث يُفسر أي إخفاق في تحقيق هذه الأدوار اجتماعيا باعتباره فشلا في أداء وظيفة الرجولة أو الأنوثة.

 

وفي هذا السياق، يشير دحماني إلى أن مفهوم العنف الرمزي لدى بيير بورديو يعبر عن أشكال خفية من الهيمنة التي تُمارس من خلال الثقافة والرموز والمعايير الاجتماعية. فالرجل يتعرض منذ مرحلة التنشئة الأولى لعملية تطبيع اجتماعي تجعله مطالبًا دائمًا بأن يكون قويًا وقادرًا على التحمل، وأن يتجنب إظهار الضعف أو الحاجة إلى الدعم. وفي كثير من الأحيان يُتوقع منه أن “يصمت” ويتحمل، وكأن الرجولة تعني التحمل والسكوت، بحيث إن أي تعبير عن الضيق أو الانفعال قد يُنظر إليه باعتباره خروجًا عن دائرة الرجولة.

 

غير أن تحليل هذه الظاهرة يظل ناقصا إذا اقتصر على بعدها الثقافي أو الرمزي فقط، لأن الأدوار الاجتماعية لا تنفصل عن البنية الاقتصادية للمجتمع. وهنا يبرز التفسير المادي الذي طوره كارل ماركس، والذي يرى أن العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطا وثيقا بالبنية الاقتصادية وأنماط الإنتاج. فالأدوار التي يؤديها الأفراد داخل الأسرة والمجتمع ليست مجرد نتائج لقيم ثقافية، بل هي أيضا انعكاس لتنظيم العمل وتوزيع الموارد داخل المجتمع.

 

 

ومن هذا المنطلق، أصبح الدور التقليدي للرجل باعتباره المعيل الاقتصادي للأسرة نتيجة تاريخية لتقسيم العمل الذي تطور مع المجتمع الصناعي والرأسمالي. ففي ظل هذا النظام، أصبح العمل المأجور المصدر الأساسي للدخل والعيش، الأمر الذي دفع الرجل إلى الانخراط في المجال الإنتاجي بوصفه المسؤول عن توفير الموارد الاقتصادية للأسرة. ومع مرور الوقت تحولت هذه الوظيفة الاقتصادية إلى معيار اجتماعي للحكم على الرجولة.

 

ويشير دحماني إلى أن هذا الواقع يظهر حتى في الممارسات الاجتماعية اليومية، حيث إن أول ما يُسأل عنه الرجل عند التقدم لخطبة فتاة غالبا ما يكون دخله أو وظيفته، وليس بالضرورة أخلاقه أو قيمه. وهكذا أصبحت قيمة الرجل تقاس بقدرته على الإنتاج والكسب، أكثر مما تقاس بقيمته الأخلاقية أو الإنسانية.

 

غير أن هذه العلاقة بين الرجولة والعمل تحمل في داخلها تناقضا بنيويا، إذ إن النظام الرأسمالي يطالب الرجل بالإنتاجية المستمرة والمنافسة في سوق العمل، لكنه في الوقت نفسه ينتج أوضاعا من الهشاشة الاقتصادية والبطالة وعدم الاستقرار المهني. وفي ظل هذه الظروف يجد الرجل نفسه في وضعية مفارقة: فهو مطالب اجتماعيا بأن يكون المعيل الرئيسي للأسرة، بينما تتحكم في قدرته على أداء هذا الدور عوامل بنيوية خارج إرادته، مثل تحولات السوق والأزمات الاقتصادية.

 

ويخلص دحماني إلى أن الاعتراف بهذه الضغوط لا يعني الدخول في منطق المقارنة بين معاناة الرجل ومعاناة المرأة، بل يهدف إلى تقديم فهم أكثر شمولية لدينامية العلاقات الاجتماعية. فالأدوار الصارمة التي يفرضها المجتمع قد تتحول إلى قيود على الطرفين معا، لأنها تضع كل جنس داخل نموذج سلوكي محدد يصعب تجاوزه.

 

ويرى أن تجاوز هذه الوضعية يتطلب إعادة التفكير في البناء الاجتماعي للأدوار داخل الأسرة والمجتمع، وتعزيز ثقافة تقاسم المسؤوليات الأسرية، وإعادة تعريف معنى الرجولة خارج منطق الهيمنة الاقتصادية، إلى جانب تطوير سياسات اجتماعية تساعد على تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية.

 

في الختام، تكشف هذه المعطيات والتحليلات النفسية والاجتماعية أن الضغوط التي يعيشها الرجل ليست مجرد تجربة فردية معزولة، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين المسؤوليات الاقتصادية والتوقعات الاجتماعية والصور الثقافية المرتبطة بالرجولة. وتجدر الإشارة إلى أن فهم هذه الضغوط لا يعني التقليل من التحديات التي تواجهها المرأة، بل يهدف إلى بناء رؤية أكثر توازنا للعلاقات داخل الأسرة والمجتمع، تقوم على الدعم المتبادل وتقاسم المسؤوليات، بما يحقق استقرارًا نفسيا واجتماعيا للجميع.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .