السردين يسرق الأضواء والبيض في الزاوية

السردين يسرق الأضواء والبيض في الزاوية

 

 

 

في آسفي كما مراكش و باقي ربوع البلاد حيث تتراقص الموارد الطبيعية كاللحوم و السمك الحُر و الخضار و الفواكه تحت أشعة الشمس، يبدو أن المستهلكين قد وجدوا أخيرًا قضيةً تستحق الصّراخ والاحتجاج: غلاء السردين. نعم، السردين، تلك السمكة الصغيرة التي تَغنٌينا في صِغرنا بها ” آ سريديلة مال عويناتك خرجين” كانت تُعدّ يومًا رمزًا للوفرة والبساطة و ثقافة شعبية يلتئم عليها اولاد الدرب في فرّان الحومة أو زاوية الدرب حيث يستدعيك دخان الشوّاية بدون دعوة، “كول و اشرب حتى يْبانو والديك” أصبحت اليوم بطلة المشهد الدرامي قبل مسلسل رمضان الذي لا زال قيد التصوير. لكن، وسط هذا الهيجان، يُركن البيض في الزاوية، مغطى بطبقة من الغبار، يتساءل في صمت: “وماذا عني؟ ألستُ أنا أيضًا ضحية الغلاء؟”

 

هذه القصة التي بدأت عندما انخفض سعر السردين فجئة على شاشة تيك توك من مبلغٍ يمكن للجميع تحمله إلى رقم يجعلك تتساءل إن كان السردين قد بدأ يُصنّع أو على الأقل يُصطاد بقوارب مزودة بمحركات فاخرة تعمل بالفيول. أنا مُقاطع أنا مُقاطعة..”أنا سرديلة مكناكلهاش ..غادي نخليها فاللّاطة”خرج الكل إلى التَعبئة، خمس دراهم تعبئة على منصات التواصل الاجتماعي، يحملون شعارات مثل “السردين حوت الشعب” و”لا لاحتكار السردين” ” السرديلات و شريكات” “كواري السرديل لي بغينا” و “الحوت الحر ما بغاه حد”.

لكن ماذا عن البيض، ذلك المكون الأساسي الذي رشق به ولاد الفشوش سيارات المّارة، البيض الذي يُفقص على رأسك قبل الالتحاق بالنخبة، البيض الذي كان يُباع بالعشرات بثمن بخس، أصبح اليوم سلعة فاخرة لا يجرؤ أحد على كسرها إلا في المناسبات الخاصة. ومع ذلك، لا أحد يتحدث عنه. لا هاشتاغات، لا منشورات غاضبة، لا شيء، قلي و قْلب..

 

والمفارقة؟ في بلدٍ يُفترض أنه غني بمصادر البيض و الكافيار، حيث البحر يعج بالسمك والأرض تُخرج الخير و الخمير، يبدو أن الثروة تتسرب من بين أيدينا كالماء، بينما نحن مشغولون بجدلٍ حول أي الطرق التي تؤدي إلى المعِدة و لماذا لا نَجترّ!. تخيّل المشهد: اجتماع عائلي طارئ لمناقشة هل يستحق السردين كل هذا الاهتمام أم أن البيض هو الضحية الحقيقية. الأم تفكر: “إذا قللت عدد البيض تطفس الكيك؟” والأب يرد: “لكن السردين مع الهريسة كان عشاءنا المفضل كوكا كولا خفضت الاسعار!!!!” والأطفال يصرخون: “نريد بيتزا!” كوكا كوكا كوكا – وهنا تدرك أن الجميع قد نسي القضية الأساسية بعد إعادة نفس السيناريو وسط زملاء الخدمة.

 

الحقيقة الساخرة هي أننا، كمستهلكين، نملك موهبة عجيبة في الانشغال بالتفاصيل ونسيان الصورة الكبرى. بينما نحن نتشاجر على إنخفاض ثمن السردين و غلاء البيض، يُعدل المستهلك من قامته و سُترته و يُثبت حزام الأمان في وسط يرفع أسعار كل شيء آخر بهدوء:زيت القلي، لوز الحُشوة و الكاكاو، حتى الغازات التي نشرب في عبوة الصودا. لكن لا، دعونا نركز على السردين، لأنه، بصراحة، من يستطيع العيش بدون تلك الرائحة المميزة التي تملأ مقلاة الطهي؟

مع نشيد الطفولة “وا سريديلا ومال عويناتك خرجين؟”

في النهاية، ربما حان الوقت لنعترف أن المشكلة ليست في السردين ولا في البيض، بل في عيوننا الفاقعة و قدرتنا الفائقة على تحويل أي أزمة إلى مسرحية هزلية. ربما لو اتفقنا على عدم الاحتجاج على غلاء كل شيء مرة واحدة، لأدركنا أن بلدنا الغني بالموارد ليس بتلك الغنى عندما يتعلق الأمر بجيوبنا. حتى لين؟ إلى حين!

 

الصورة الأكبر اليوم مدهشة:

فلنرفع علبة السردين عاليًا، ونترك البيض ينتظر دوره في الظل، لأننا – كالعادة – مشغولون جدًا بالمشهد الجانبي عن رؤية العرض الرئيسي.

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .