الصحافة : الأزمة مستمرة وآفاق الخروج من النفق تصادم جدار صد الابتزاز
تعيش الصحافة المغربية، بعد خمس سنوات من جائحة كوفيد-19 وزلزال جبال الأطلس، أزمة عميقة تهدد دورها كرقيب على الشأن العام وصوت للمواطن. هذه الأزمة، التي تفاقمت مع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة، ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمات بنيوية وتحديات جديدة كشفت عنها الظروف الاستثنائية التي عاشها القطاع. لكن، رغم الوضع المتردي، هناك إمكانيات واعدة يمكن أن تنتشل القطاع من نفق الضعف والتشوهات، إذا ما تم استثمارها بحكمة.
أزمة خانقة ودعم مشروط
خلال جائحة كورونا، واجهت الصحافة المغربية انهيارًا شبه تام، ايام الحجر الصحي، حيث كادت المؤسسات الصحفية الكبرى أن تتوقف عن العمل لولا تدخل الدولة بميزانية ضخمة آنذاك. هذا الدعم لم يكن مجرد مساعدة مالية، بل استهدف أيضًا تمكين الإعلام من محاربة الأخبار الزائفة التي اجتاحت الفضاء العام. لاحقًا، كرر التاريخ نفسه مع زلزال الأطلس، حيث تصدت الدولة عبر الإعلام العمومي وبعض المنابر الموثوقة لموجة أخرى من المعلومات المغلوطة. لكن هذا الدعم، رغم أهميته، لم يعالج الجذور العميقة للأزمة، بل أبقى المؤسسات على قيد الحياة دون إصلاح هيكلي.
اليوم، تتفاقم الأوضاع مع انتشار الغسيل الداخلي للصحافة، حيث تحولت الساحة إلى فضاء للصراعات الشخصية بين صحفيين يدّعون الدفاع عن أخلاقيات المهنة، بينما يتورط بعضهم في ملفات مشبوهة قيد التحقيق. هذا الواقع أضعف ثقة الجمهور، الذي بات يستنكر هذه الممارسات ويرى فيها تراجعًا عن دور الصحافة كمرآة للمجتمع ومحاسب للسلطة.
الصحافة الجهوية هي الأخرى تعيش ضعف يتغذى على “المرقة بايتة” على حد وصف الجمهور لها..
فعلى المستوى الجهوي، تعاني الصحافة من واقع أكثر قتامة. ففي بعض الأقاليم والجهات، حيث تعطلت عجلة التنمية لصالح مصالح شخصية، أصبحت الصحافة الجهوية رهينة “فتات الإكراميات” من المنتخبين والمفسدين. هذا الوضع جعلها أداة للتطبيل والتهليل لإنجازات وهمية، بدلًا من مراقبة الأداء العمومي ونقل هموم المواطنين. الجمهور، بدوره، يتأفف من تغطيات صحفية تفتقر إلى العمق ولا تضيف قيمة للنهوض بأوضاع أقاليم تعيش عتمة إعلامية واحتقانًا بسبب تعثر المشاريع وبطء تنفيذ أخرى.
إمكانيات الخروج من النفق
رغم هذا السواد، تشير الى ان هناك مسارات يمكن أن تعيد للصحافة المغربية بريقها ودورها، مستفيدة من دروس الجائحة وتجارب عالمية:
الانتقال إلى النمط الرقمي أو “الهجين”: أثبتت الجائحة عالميًا أن العمل عن بعد ممكن وفعّال. في المغرب، يمكن للمؤسسات الصحفية تبني نماذج عمل هجينة تجمع بين التغطية الميدانية والإنتاج الرقمي، مما يقلل التكاليف ويوسع الانتشار. هذا التحول يتطلب استثمارًا في البنية التحتية التقنية وتكوين الصحفيين على المهارات الرقمية.
إصلاح الدعم الحكومي: بدلًا من تقديم مساعدات طارئة، يمكن للدولة وضع سياسة دعم شفافة ومشروطة بمعايير الجودة والمصداقية، مع التركيز على تمكين الصحافة الجهوية من الاستقلال المالي عبر مشاريع تنموية إعلامية.
استعادة المصداقية عبر التشريع والتكوين: مواجهة السب والقذف والأخبار الزائفة تتطلب تفعيل قوانين صارمة تحمي المهنة وتحاسب المخالفين، إلى جانب برامج تكوين مستمرة للصحفيين تركز على الأخلاقيات والتحقيق الاستقصائي.
إشراك الجمهور: كما أظهرت تجارب عالمية، فإن إشراك المؤثرين في صياغة السياسات يعزز الثقة. يمكن للصحافة المغربية أيضاً فتح قنوات تواصل مع الجمهور لفهم احتياجاته، وربما إطلاق منصات مواطنة تكون شريكة في إنتاج المحتوى.
تعزيز الصحافة الجهوية: يجب تخصيص ميزانيات لدعم المبادرات الإعلامية المحلية، مع تشجيع التعاون بين الصحفيين الجهويين والمؤسسات الكبرى لنقل صوت الأقاليم إلى المركز، بدلًا من تركها فريسة للمصالح الضيقة.
منظور أوسع:
الصحافة المغربية تقف اليوم على مفترق طرق. فإما أن تستمر في التمرغ بأزماتها، متخبطة بين الفساد الداخلي وضعف الإمكانيات، أو أن تستلهم من التحولات العالمية ودروس الجائحة لإعادة بناء نفسها. الخروج من النفق لن يكون سهلًا، لكنه ممكن إذا توفرت إرادة سياسية ومهنية لإصلاح القطاع، وإذا أدرك الصحفيون أن دورهم لا يقتصر على البقاء، بل على خدمة الجمهور وإنارة الطريق نحو تنمية حقيقية.
Comments ( 0 )