الصحافة المغربية: من وظيفة دستورية إلى ممارسة عشوائية

الصحافة المغربية: من وظيفة دستورية إلى ممارسة عشوائية

 

 

 

لفهم أسباب هشاشة الصحافة المغربية اليوم، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية ومسار تطورها التنظيمي والقانوني

 

الجذور التاريخية:

عرفت الصحافة المغربية عدة مراحل وتطورات في مسارها التاريخي، أبرزها:

 

ـ المرحلة التأسيسية (التسعينيات – 2002): انطلقت في بداية التسعينيات مع المناظرة الوطنية للإعلام عام 1993، التي ناقشت لأول مرة فكرة التنظيم الذاتي كبديل عن الرقابة الحكومية. وكانت هذه المرحلة قد اتسمت بنقاشات حول تعديل قانون الصحافة لعام 1973، الذي كان يفرض عقوبات سالبة للحرية. وفي أكتوبر 2002، صدر قانون 77.00، الذي استغرق نقاشه ثلاث سنوات في البرلمان، وألغى بعض العقوبات الجنائية، لكنه لم يؤسس بعد لتنظيم ذاتي كامل.

 

ـ المرحلة الدستورية والتشريعية (2011 – 2016): مع دستور 2011، أصبح التنظيم الذاتي مبدأ دستورياً. وفي سنة 2016، صدرت مدونة الصحافة والنشر (القانون 88.13)، التي شملت ثلاثة قوانين رئيسية: قانون الصحافة والنشر، النظام الأساسي للصحفيين المهنيين، والقانون 90.13، الذي أحدث المجلس الوطني للصحافة.

 

وشكل هذا التحول خطوة نوعية، من خلال حذف العقوبات السالبة للحرية وتعزيز حماية سرية المصادر، مع تكريس مبدأ الانتخاب الديمقراطي داخل المجلس.

 

ـ مرحلة التأسيس والتشغيل (2018 – 2022): تأسس المجلس الوطني للصحافة رسمياً في أكتوبر 2018، كمؤسسة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. ويتكون من 21 عضواً (7 صحفيين منتخبين، 7 ناشرين منتدبين من منظمات مهنية، و7 أعضاء مستقلين). وتتمثل مهامه في صيانة أخلاقيات المهنة، وتسليم بطاقات الصحافة المهنية، والبت في الشكاوى، والمساهمة في تطوير القطاع. ورغم بعض التحديات التي رافقت انطلاقته، فقد ساهم في وضع ميثاق لأخلاقيات المهنة.

 

ـ مرحلة الأزمات وإعادة التنظيم (2022 – 2026): انتهت الولاية الأولى في أكتوبر 2022 دون إجراء انتخابات بسبب غياب آليات واضحة، ما أدى إلى تمديدها لستة أشهر، قبل إحداث لجنة مؤقتة في شتنبر 2023 لمدة سنتين. وفي يوليوز 2025، صادق البرلمان على مشروع قانون 26.25 لإعادة تنظيم المجلس، غير أن المحكمة الدستورية أعلنت في يناير 2026 عدم دستورية بعض مواده لعدم احترامها لمبدأي التوازن والتعددية. وفي ظل هذا الوضع، تتولى لجنة خاصة تسيير القطاع، وسط نقاش متواصل حول سبل إصلاحه.

يكشف هذا المسار المتدرج أن أزمة الصحافة المغربية لم تنشأ بشكل مفاجئ، بل هي نتيجة تراكمات تنظيمية وتشريعية لم تكتمل شروط تفعيلها، ما جعل الانتقال من نصوص متقدمة إلى ممارسة مهنية مستقرة يظل انتقالًا معلقًا، تتسع فيه الفجوة بين البناء القانوني وواقع المهنة.

 

تظهر الصحافة في المغرب، من حيث المبدأ، محصنة بنصوص دستورية تضعها في قلب البناء الديمقراطي، وتمنحها دورًا أساسيًا في نقل المعلومة ومساءلة الفاعلين. غير أن هذا التصور يصطدم بواقع مهني مختلف، حيث تتراجع شروط الممارسة الفعلية أمام الضغوط الاقتصادية والتنظيمية المتزايدة، ما يضع الصحفي في وضع هش، رغم وضوح الإطار القانوني الذي يؤطر المهنة. وبين قوة النص وعدم تطابقه مع الواقع، تتشكل إحدى أبرز مفارقات الصحافة المغربية اليوم.

 

التأطير القانوني–الدستوري:

 

ينص الدستور المغربي لسنة 2011، في فصله 28 على ما يلي: “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.

 

للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.

 

تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به.

 

يحدد القانون قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها. ويضمن الاستفادة من هذه الوسائل، مع احترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي.

 

وتسهر الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على احترام هذه التعددية، وفق أحكام الفصل 165 من هذا الدستور.”

 

بعد هذا التأطير الصريح، يتضح أن المشرع المغربي لم يكتفِ بضمان حرية الصحافة، بل ربطها أيضا بالتنظيم الذاتي والاستقلالية المهنية والتعددية. على اعتبار أن الفصل 28 من الدستور المغربي ينص على حرية الصحافة والطبع والنشر، وتشير إلى حق الصحفيين في التنظيم الذاتي، بما يضمن استقلاليتهم المهنية.

 

وبالتالي فإن هذه المادة تؤكد على أن الصحافة ليست مجرد نشاط إعلامي، بل وظيفة دستورية تهدف إلى ضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة ومساءلة السلطات. على الرغم من وضوح هذا الإطار، فإن النص الدستوري لا يتضمن آليات تنفيذية مباشرة تضمن للصحفي حماية اجتماعية أو استقرار مهني، وهو ما يفتح فجوة بين الحق النظري والممارسة اليومية داخل المؤسسات الإعلامية.

التشخيص:

 

على مستوى النصوص، يبدو المشهد منظمًا بشكل دقيق من خلال قوانين متعددة، وخطاب حقوقي متقدم، وإطار دستوري واضح. لكن على أرض الواقع، تتجلى هشاشة بنيوية يصعب تجاهلها.

 

وفي سياق متصل، فإن العديد من المؤسسات الإعلامية، أصبح الصحفي مطالبا فيها بإنتاج المادة الصحفية، وتصويرها، وتحريرها، ونشرها، أحيانا دون إطار تعاقدي واضح أو بأجر زهيد لا يعكس قيمة عمله أو يفقده الاستقرار المهني، الأمر الذي  يبرز تحولا في طبيعة المهنة من تخصص مهني إلى وظيفة متعددة المهام تفتقر إلى الضبط.

 

كما يواجه عدد من الصحفيين وضعيات مهنية غير مستقرة، تتراوح بين غياب العقود، أو هشاشتها، وضعف الأجور أو غيابها أو بمقابل مادي لا يُعبر عن قيمة العمل الصحفي، فضلا عن غياب مسار مهني واضح، خاصة لدى الصحفيين الشباب. هذا الواقع لا يجسد فقط اختلالات داخل المؤسسات، بل يشير إلى خلل أعمق في نموذج العمل الإعلامي نفسه. وهو ما يطرح علامة استفهام. هل ستسترجع الصحافة المغربية إشعاعها؟ أم ستبقى تبحث عن من يحمل مشعل الإصلاح؟

 

على الجانب الآخر، يتضخم الخطاب حول حرية الصحافة، دون أن يوازيه تحسن ملموس في شروط ممارسة هذه الحرية، ما يخلق مفارقة بين النص والواقع، وبين الحق والقدرة على ممارسته فعليًا. وتبقى حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها .

 

 

الرسالة الاستباقية:

 

إن الإشكال الجوهري في الصحافة المغربية اليوم لا يكمن في غياب الإطار القانوني، إنما في انفصال هذا الإطار عن شروط التطبيق الفعلي. فحرية الصحافة، كما يضمنها الدستور، تظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى حماية مهنية واجتماعية للصحفي. إذ لا يمكن الحديث عن صحافة مستقلة في ظل الهشاشة الاقتصادية، ولا عن تنظيم ذاتي فعال دون صحفي يتمتع بالحد الأدنى من الاستقرار المهني. فالنصوص، مهما بلغت قوتها، تظل غير كافية إذا لم تُدعم بآليات تضمن كرامة الممارسة واستمراريتها. لذلك، فإن ربط الحقوق الدستورية بالضمانات المهنية لم يعد خيارًا إصلاحيًا، بقدر ما يشكل  ضرورة لإعادة التوازن داخل المهنة.

 

ما يمكن فعله غدًا:

 

اذا أردنا إصلاحا حقيقيا لمهنة الصحافة وجعلها تتربع على عرش المصداقية فإن ذلك يقتضي:

_ وضع نموذج عقد صحفي موحد يحدد الحقوق والواجبات ويضمن الحد الأدنى للأجور.

_ ربط الحماية القانونية بالحماية الاجتماعية، بما يشمل التأمين والتعويضات _ فرض شفافية أكبر في تشغيل الصحفيين والتصريح بهم.

_ إرساء آلية مستقلة لتلقي شكاوى الصحفيين المهنية.

_دعم التكوين المستمر لتأهيل الصحفيين ومواكبة تحولات المهنة.

 

أصبح تحويل النصوص إلى حماية فعلية ليس مجرد خيار ثانوي، إنما شرط أساسي لبقاء الصحافة نفسها التي طالما عُرفت على كونها نبيلة. لأن المهنة التي لا تحمي أصحابها، لا يمكن أن تحمي الحقيقة.

 

وفي المقالة المقبلة، سننتقل من النصوص إلى التجربة، من خلال قراءة في واقع الصحفيين الشباب خلال سنواتهم الأولى داخل المهنة.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .