الطب النفسي بالمغرب: بين أزمة التشخيص وعدم فعالية العلاج
حوار مع عالم نفس محمد قصير
يشهد العالم بأسره تطورا ملحوظا في عدد الحالات التي تعاني من الأمراض النفسية والعقلية، ويختلف انتشارها من بلد لآخر حسب مستوى تطوره وتنميته في المجال الصحي والطب النفسي. وبالرجوع إلى المغرب، نجد أن الأمراض النفسية والعقلية منتشرة بشكل كبير، ما يجعل تفاقم الضغط الاجتماعي والاقتصادي يعيد النقاش حول واقع الطب النفسي بالمغرب إلى الواجهة. بين نقص البنيات، وإشكالية التشخيص، وهيمنة العلاج الدوائي، وفي ظل هذا التحول يطرح المواطن المغربي أسئلة مهمة حول فعالية هذا القطاع ومستقبله، مما جعلنا نقوم بالبحث عن الأسباب الحقيقية لتنامي هذه الظاهرة واقتراح الحلول البديلة لتجاوز الأزمة.
في هذا السياق أجرينا حوار صحفي مكتوب مع البروفيسور الدكتور عالم نفس السيد محمد قصير، الذي قدم لجريدة المنظور تيفي بريس أجوبة علمية واضحة تفسر الخلل الذي يشوب منظومة الصحة النفسية بالمغرب، و عرض مجموعة من المقترحات العلمية التي تعالج الوضعية الراهنة.
وفي هذا الصدد، نفتتح النقاش مع عالم نفس والفيلسوف المغربي، لنسائل الواقع، ونفكك الإشكالات، ونستشرف الحلول الممكنة من زاوية علمية وفكرية محضة. كما سنقدم لكم الحوار المطول على الشكل التالي:
_ ماهي المشاكل التي يطرحها الطب النفسي في المغرب؟
طيب أولا أود تقديم الشكر لكم ولشخصكم الأستاذة سناء على هذه المقابلة وهذه المبادرة الطيبة التي ستتيح لنا الفرصة لطرح قضايا الصحة النفسية بجدية ومسؤولية، بالنسبة لسؤالك في شأن المشاكل التي يطرحها الطب النفسي في المغرب، يطرح الطب النفسي في المغرب عددًا من الإشكالات البنيوية والممارسة اليومية، وليس الحديث هنا عن جميع الأطباء، بل عن اتجاه عام تفرضه ظروف العمل والنظام الصحي.
أولى هذه الإشكالات هي ضيق الوقت المخصص للمريض. في عدد كبير من الحالات، لا يُمنح المريض الزمن الكافي للتعبير عن معاناته النفسية، تاريخها، سياقها الأسري والاجتماعي، ولا الدينامية الداخلية لأعراضه. هذا الاختزال الزمني يجعل التشخيص في كثير من الأحيان سطحيًا أو استعجاليًا، وهو ما يفتح الباب لتشخيصات غير دقيقة.
ينتج عن ذلك مشكل ثانٍ يتمثل في اللجوء المبكر والمفرط إلى الوصفة الدوائية كحل استباقي، بدل اعتبارها جزءًا من خطة علاجية شاملة. فالأدوية النفسية ليست مشكلة في حد ذاتها، بل إن فعاليتها مثبتة علميًا في حالات متعددة، مثل الاكتئاب، نوبات القلق، واضطرابات ذهانية معينة. على سبيل المثال، يُعد الباروكسيتين كمضاد للاكتئاب دواءً فعالًا جدًا عند استعماله بجرعات مناسبة وضمن تشخيص صحيح. لكن الإشكال يظهر عندما يصبح الدواء بديلًا عن الفهم النفسي للمريض، لا مكملًا له.
من منظور علم النفس الإكلينيكي والتحليل النفسي، لا يمكن اختزال المعاناة النفسية في خلل كيميائي فقط. فالأعراض هي في كثير من الأحيان لغة نفسية تعبّر عن صراعات داخلية، صدمات، أو اختلالات في علاقة الفرد بذاته وبالآخرين. تجاهل هذا البعد يجعل العلاج ناقصًا، حتى وإن خفّف الدواء من الأعراض مؤقتًا.
العلاج السلوكي المعرفي، إلى جانب الإصغاء العلاجي والتفريغ النفسي، يُعد في العديد من الحالات خط الدفاع الأول، خاصة في الاضطرابات غير الذهانية. فهو يساعد المريض على فهم أفكاره، تعديل سلوكياته، وبناء أدوات نفسية مستقلة، بدل الاكتفاء بعلاج يظل خارجيًا ومؤقت الأثر.
إذن، المشكلة الأساسية ليست في الطب النفسي كعلم، ولا في الدواء كوسيلة علاج، بل في ممارسة تختزل الإنسان في عرض، والعلاج في وصفة. الإصلاح الحقيقي يمر عبر إعادة الاعتبار للزمن العلاجي، للاستماع، وللتكامل بين الطب النفسي والعلاج النفسي، بدل وضعهما في علاقة تنافس أو اختزال.
_ ماهو رأيكم بتشخيص الأطباء النفسيين بالمغرب للحالات المرضية؟
وهل فعلا جميع الحالات متشابهة؟ وهل العلاجات المقدمة ناجعة؟ أم هي مجرد مهدئات؟ من وجهة نظري كعالم نفس تحليلي وباحث في علم النفس الإكلينيكي والتحليل النفسي، فإن تشخيص الحالات النفسية في المغرب يظل إشكاليًا في جزء مهم منه، ليس بسبب ضعف المعرفة النظرية لدى الأطباء النفسيين، بل بسبب نمط الممارسة السائد والضغوط البنيوية التي تحكم المنظومة الصحية.
أول ما يجب توضيحه هو أن الحالة النفسية ليست كيانًا موحدًا أو قالبًا جاهزًا. لا توجد حالتان متشابهتان نفسيًا حتى وإن تشابهت الأعراض ظاهريًا. الاكتئاب مثلًا ليس مرضًا واحدًا، بل طيف واسع من الاضطرابات تختلف جذورها النفسية والبيولوجية والاجتماعية من شخص لآخر. الأمر نفسه ينطبق على اضطرابات القلق، الوسواس القهري، اضطرابات الشخصية، وحتى بعض الاضطرابات الذهانية.
الإشكال الذي نلاحظه في الممارسة اليومية هو الاعتماد المفرط على التشخيص التصنيفي السريع (DSM أو ICD) دون الغوص في البنية النفسية العميقة للمريض: تاريخه الشخصي، دينامياته اللاواعية، آليات دفاعه، علاقاته المبكرة، والصدمات المحتملة. هذا النوع من التشخيص “الاسمي” قد يكون مفيدًا إداريًا، لكنه غير كافٍ علاجيًا.
في غياب الوقت الكافي للإصغاء، يتحول التشخيص إلى عملية اختزالية: قلق = دواء مضاد للقلق اكتئاب = مضاد اكتئاب أرق = مهدئ وهذا من الناحية العلمية تبسيط مخلّ لمعاناة إنسانية معقدة.
أما بخصوص العلاجات، فمن الضروري التمييز بين العلاج الدوائي كأداة وبين العلاج الدوائي كحل وحيد. الأدوية النفسية ليست “مهدئات” بالمعنى الشعبوي دائمًا، لكنها أيضًا ليست حلولًا سحرية.
لنأخذ أمثلة دقيقة:
Paroxetine (باروكسيتين)، من فئة SSRIs، دواء فعال في الاكتئاب واضطرابات القلق ونوبات الهلع، لكنه لا يعالج أسباب الاكتئاب النفسية، بل يخفف الأعراض عبر تعديل السيروتونين.
Sertraline (سيرترالين) و Fluoxetine (فلوكستين) أظهرتا فعالية جيدة، خاصة عند دمجهما بعلاج نفسي.
في اضطرابات القلق الحادة، تُستعمل أحيانًا Benzodiazepines مثل Alprazolam أو Diazepam، لكنها أدوية عرضية، وقد تؤدي إلى التعود إن لم تُضبط بدقة.
في الاضطرابات الذهانية، لا غنى عن مضادات الذهان مثل Risperidone أو Olanzapine، وهنا يكون الدواء ضرورة علاجية لا نقاش فيها.
لكن الإشكال الجوهري هو أن هذه الأدوية، مهما بلغت فعاليتها، لا تُنتج شفاءً نفسيًا حقيقيًا إذا استُعملت بمعزل عن العمل النفسي العلاجي.
من منظور التحليل النفسي، الأعراض ليست عدوًا فقط، بل رسالة. هي تعبير رمزي عن صراع داخلي، عن ألم غير مفكَّر فيه، عن تاريخ لم يُروَ. إسكات العرض دوائيًا دون فهمه يشبه إطفاء إنذار الحريق دون إخماد النار.
العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والتحليل النفسي والعلاجات القائمة على الإصغاء العلاجي ليست بدائل ثانوية، بل في كثير من الحالات الركيزة الأساسية. الدراسات الحديثة تُظهر أن الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي يعطي نتائج أفضل بكثير من الدواء وحده، خاصة على المدى المتوسط والبعيد.
إذن، هل العلاجات المقدَّمة في المغرب ناجعة؟ الجواب العلمي: نعم جزئيًا، وقاصرة في كثير من الأحيان. هي ناجعة عندما تُستعمل ضمن تصور شامل، وقاصرة عندما تتحول إلى مجرد تهدئة للأعراض دون فهم الإنسان الذي يعاني.
المشكلة ليست في الطبيب النفسي كفرد، ولا في الدواء كعلم، بل في نموذج علاجي يختزل الإنسان في كيمياء دماغية، ويقصي البعد النفسي العميق. الإصلاح الحقيقي يمر عبر إعادة الاعتبار للزمن العلاجي، للتكامل بين الطب النفسي وعلم النفس، وللإنسان بوصفه كائنًا نفسيًا قبل أن يكون ملفًا سريريًا.
_ كيف ترى مستقبل الطب النفسي بالمغرب؟
وهل هناك حلول واقعية للمشاكل النفسية بعيدا عن الأدوية الدائمة لهؤلاء المرضى؟
أرى مستقبل الطب النفسي في المغرب مفتوحًا على إمكانين متعارضين: إما الاستمرار في نموذج اختزالي يركّز على الدواء كحل سريع، أو الانتقال إلى نموذج تكاملي إنساني يضع المريض، لا العرض، في مركز العملية العلاجية.
من الناحية الواقعية، لا يمكن إنكار أن المغرب بدأ يشهد وعيًا متزايدًا بأهمية الصحة النفسية، سواء على مستوى الخطاب العمومي أو الطلب الاجتماعي. هذا الوعي يشكّل فرصة حقيقية لإعادة بناء ممارسة الطب النفسي على أسس أكثر علمية وإنسانية. لكن هذا التحول لن يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى إرادة مؤسساتية وتغيير في الفلسفة العلاجية.
مستقبل الطب النفسي، في تقديري، يجب أن يقوم على التكامل لا الإقصاء. الطب النفسي الدوائي يظل ضروريًا، خاصة في الاضطرابات الذهانية، الاضطرابات الثنائية القطب، وحالات الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج. لكن تحويل الدواء إلى علاج دائم لكل الحالات هو خيار غير علمي، بل يحمل مخاطر نفسية واجتماعية واضحة، من بينها الاعتماد النفسي على العلاج، وفقدان المريض لدوره الفاعل في مسار الشفاء.
أما بخصوص الحلول الواقعية بعيدًا عن الأدوية الدائمة، فهي موجودة علميًا، لكنها غير معمَّمة مؤسساتيًا بعد. من أبرز هذه الحلول:
أولًا، العلاج النفسي المبني على الدليل، وعلى رأسه العلاج السلوكي المعرفي، الذي أثبت فعاليته في اضطرابات القلق، الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، الوسواس القهري، واضطرابات التكيف. هذا العلاج لا يهدف فقط إلى تخفيف الأعراض، بل إلى تمكين المريض من أدوات معرفية وسلوكية طويلة الأمد.
ثانيًا، العلاج التحليلي والعلاج الديناميكي، وهو ضروري لفهم الحالات المتكررة والمقاومة للعلاج الدوائي، واضطرابات الشخصية، والأعراض الجسدية ذات المنشأ النفسي. هذا النوع من العلاج لا يسعى إلى إسكات العرض، بل إلى تفكيك بنيته ومعناه داخل التاريخ النفسي للفرد.
ثالثًا، إعادة الاعتبار للزمن العلاجي والإصغاء. كثير من الحالات لا تحتاج إلى تغيير دوائي بقدر ما تحتاج إلى فضاء آمن للكلام، للفهم، ولإعادة تنظيم التجربة النفسية. هذا البعد غالبًا ما يُهمَّش رغم كونه عنصرًا علاجيًا أساسيًا.
رابعًا، الوقاية النفسية والتدخل المبكر، خاصة في المدارس، الجامعات، وأماكن العمل. الوقاية أقل كلفة وأكثر نجاعة من العلاج المتأخر، لكنها لا تزال غائبة عن السياسات الصحية بشكل فعلي.
من منظور فلسفي وعلمي، لا يمكن الحديث عن صحة نفسية دون الاعتراف بأن الإنسان ليس مجرد دماغ، بل ذات تعيش في سياق اجتماعي، ثقافي، وتاريخي. أي مستقبل للطب النفسي يتجاهل هذا المعطى سيظل مستقبلًا ناقصًا.
أعتقد أن الحل الواقعي في المغرب ليس في استيراد نماذج جاهزة، بل في بناء نموذج مغربي للصحة النفسية، يراعي الخصوصية الثقافية، ويُعيد التوازن بين الدواء، العلاج النفسي، والبعد الإنساني. حينها فقط يمكن الحديث عن علاج حقيقي، لا عن تدبير مؤقت للأعراض.
وما الفرق بين الأمراض النفسية والأمراض العقلية؟
يُعدّ الخلط بين الأمراض النفسية والأمراض العقلية من أكثر الإشكالات شيوعًا في الخطاب العام، بل وحتى في بعض الممارسات الطبية غير الدقيقة. هذا الخلط لا يخلق فقط سوء فهم علمي، بل يُسهم أيضًا في وصم المرضى وتعقيد مسارات علاجهم. يقتضي التمييز بين الأمراض النفسية والأمراض العقلية درجة عالية من الدقة المفاهيمية، لأن هذا التمييز ليس اصطلاحيًا فقط، بل يترتب عنه اختلاف جذري في التشخيص، التدخل العلاجي، المآل المرضي، والبعد الأخلاقي للممارسة الطبية.
وفق التصنيفات المرجعية المعتمدة دوليًا، خاصة DSM-5 (Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders) الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وICD-11 (International Classification of Diseases) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، يتم الحديث عن اضطرابات نفسية (Mental Disorders) بوصفها طيفًا واسعًا من الاضطرابات التي تمس الوظائف النفسية والانفعالية والمعرفية، دون افتراض خلل بنيوي دماغي محدد وقاطع في جميع الحالات.
تشمل هذه الفئة اضطرابات الاكتئاب، اضطرابات القلق، اضطرابات التكيف، الوسواس القهري، اضطرابات الصدمة، وعددًا من اضطرابات الشخصية. ويتميّز أغلب المرضى ضمن هذا الطيف بوجود الاستبصار (Insight)، أي القدرة على إدراك الطابع المرضي لمعاناتهم، والاحتفاظ بعلاقة سليمة نسبيًا مع الواقع.
في المقابل، تشير الأمراض العقلية بالمعنى الإكلينيكي الدقيق إلى الاضطرابات الذهانية (Psychotic Disorders)، مثل الفصام (Schizophrenia)، الاضطرابات الوجدانية الذهانية، وبعض أشكال الاضطراب ثنائي القطب في مراحله الذهانية. هذه الحالات، كما هو مبيَّن في DSM-5 وICD-11، تتميز باضطراب جوهري في اختبار الواقع (Reality testing)، مع ظهور أعراض مثل الهلاوس، الضلالات، التفكك الفكري، واضطراب الحكم النقدي.
من منظور الطب النفسي البيولوجي، يُنظر إلى هذه الاضطرابات على أنها ذات أساس عصبي-كيميائي أكثر وضوحًا، وهو ما يبرر ضرورة التدخل الدوائي طويل الأمد بمضادات الذهان (Antipsychotics) كجزء أساسي من العلاج.
غير أن المقاربة التحليلية النفسية ترفض هذا الفصل الصلب، وتقترح فهمًا ديناميكيًا-بنيويًا للعقل الإنساني. فالتحليل النفسي، منذ فرويد ولاكان، لا يتعامل مع المرض النفسي والعقلي كثنائيتين منفصلتين، بل كدرجات مختلفة من تنظيم الذات (Névrose – Borderline – Psychose). في هذا الإطار، لا يُعرَّف الذهان فقط بوجود أعراض ذهانية، بل بخلل في بنية الرمزي وعلاقة الذات بالقانون والآخر.
هذا المنظور يسمح بفهم حالات وسطية كثيرة لا تنطبق عليها التصنيفات الصلبة للـ DSM أو ICD، لكنه يتطلب زمنًا علاجيًا، إصغاءً معمقًا، وتحليلًا للسياق الذاتي للمريض، وهو ما غالبًا ما تغفله الممارسة السريرية السريعة.
الإشكال الذي نرصده في الواقع الإكلينيكي، خصوصًا في السياقات ذات الضغط الزمني المرتفع، هو الخلط بين الاضطراب النفسي والاضطراب العقلي، مما يؤدي إلى:
تشخيصات استعجالية
وصف علاجات دوائية طويلة الأمد لحالات لا تستدعي ذلك
تهميش العلاج النفسي لصالح التدخل الدوائي
علميًا، هذا الخلط يُعد انزلاقًا منهجيًا، لأنه يتعامل مع التصنيف كغاية علاجية بدل اعتباره أداة تنظيمية. فالتصنيفات التشخيصية وُضعت لأغراض إحصائية وبحثية في المقام الأول، لا لتكون بديلًا عن الفهم الإكلينيكي الفردي.
من هنا، فإن الفصل بين المرض النفسي والمرض العقلي ليس مسألة لغوية أو ثقافية، بل شرطًا علميًا وأخلاقيًا يضمن:
ملاءمة العلاج
تفادي التداوي المفرط
احترام ذاتية المريض وتاريخه النفسي
الخلاصة أن أي ممارسة نفسية أو نفسية-طبية لا تُدمج بين المقاربة التصنيفية (DSM/ICD) والفهم الديناميكي التحليلي تظل ممارسة ناقصة، وقد تتحول، دون قصد، إلى ممارسة تدبيرية للأعراض بدل أن تكون علاجًا حقيقيًا للمعاناة الإنسانية.
_ ماهو مستقبل الطب النفسي بالمغرب في نظركم؟ وماهي الحلول البديلة لتجاوز المشاكل المطروحة؟
في تقديري العلمي والمهني، مستقبل الطب النفسي في المغرب يظل مفتوحًا لكنه مشروط؛ أي أنه يتوقف على قدرة المنظومة الصحية على الانتقال من نموذج علاجي اختزالي إلى نموذج تكاملي يضع الإنسان في مركز الاهتمام، لا العرض ولا الوصفة الدوائية.
من جهة أولى، يمكن القول إن المغرب يعيش لحظة وعي متزايد بقضايا الصحة النفسية، سواء على مستوى الخطاب العمومي أو الطلب الاجتماعي. هذا التحول يشكّل فرصة حقيقية لتطوير الطب النفسي، لكنه في الوقت نفسه يفضح محدودية النموذج السائد القائم على الاستشارة السريعة والعلاج الدوائي شبه الحصري. إذا استمر هذا النموذج، فإن مستقبل الطب النفسي سيكون مجرد تدبير للأعراض لا علاجًا فعليًا للاضطرابات.
أما من جهة ثانية، فإن المستقبل الإيجابي للطب النفسي في المغرب يمر حتمًا عبر إعادة هيكلة فلسفة العلاج نفسها. الحلول الواقعية لا تكمن في رفض الدواء، بل في إعادة وضعه في مكانه العلمي الصحيح. فالعلاج الدوائي ضروري ولا غنى عنه في الاضطرابات الذهانية، الاضطراب ثنائي القطب، وبعض حالات الاكتئاب الشديد، لكنه يصبح إشكاليًا حين يتحول إلى حل دائم لكل المعاناة النفسية.
من أبرز الحلول البديلة لتجاوز الإشكالات المطروحة، تعزيز العلاج النفسي المبني على الدليل العلمي، وعلى رأسه العلاج السلوكي المعرفي والعلاجات الديناميكية. هذه المقاربات أثبتت فعاليتها في عدد كبير من الاضطرابات النفسية، خاصة القلق، الاكتئاب غير الذهاني، واضطرابات التكيف، وتُقلل بشكل ملموس من الاعتماد طويل الأمد على الأدوية.
الحل الثاني يتمثل في إعادة الاعتبار للزمن العلاجي والإصغاء الإكلينيكي. كثير من الحالات لا تحتاج إلى تغيير دوائي بقدر ما تحتاج إلى فهم معمق لتاريخها النفسي، سياقها الاجتماعي، وصراعاتها الداخلية. الإصغاء ليس ترفًا علاجيًا، بل أداة تشخيصية وعلاجية في حد ذاته.
الحل الثالث هو إرساء التكامل المؤسسي بين الطبيب النفسي وعالم النفس بدل العلاقة التنافسية أو الإقصائية. مستقبل الطب النفسي في المغرب لا يمكن أن يكون أحادي التخصص، بل يجب أن يقوم على فرق علاجية متعددة التخصصات، حيث يُحدَّد التدخل الدوائي والنفسي بشكل تكاملي ومشترك.
كما لا يمكن الحديث عن مستقبل فعلي دون الاستثمار في الوقاية النفسية والتدخل المبكر، خاصة داخل المدارس، الجامعات، وأماكن العمل. الوقاية أقل كلفة وأكثر نجاعة من العلاج المتأخر، لكنها لا تزال ضعيفة الحضور في السياسات الصحية.
من منظور فلسفي وأخلاقي، الحل الجذري يتمثل في تغيير النظرة إلى المريض النفسي: من “حامل أعراض” إلى ذات لها تاريخ ومعنى. الطب النفسي الذي لا يعترف بهذه الحقيقة سيظل علمًا ناقصًا مهما تطورت أدواته الدوائية.
خلاصة القول، مستقبل الطب النفسي في المغرب يمكن أن يكون واعدًا إذا ما تم الانتقال من منطق التهدئة إلى منطق الفهم، ومن علاج العرض إلى علاج الإنسان. أما إذا استمر الاعتماد شبه الكلي على الأدوية، فإننا سنواجه مزيدًا من الانتكاسات، والاعتماد المزمن على العلاج، دون شفاء نفسي حقيقي.
كان هذا الحوار مع البروفيسور الدكتور محمد قصير مفكر، فيلسوف، عالم نفس ومحلل نفسي، حوارا علميًا بامتياز، يناقش المشاكل التي يطرحها الطب النفسي بالمغرب وانعكاساته على الحاضر والمستقبل، ويستعرض سبل معالجة هذه الظاهرة من طرف أصحاب الاختصاص والعلماء في المجال، فضلا عن تسليط الضوء على الحلول الممكنة لضمان الصحة النفسية والعقلية، إضافة إلى تأطير المجتمع وتوعيته عبر منصات التواصل لطرح الأسئلة والحصول على أجوبة علمية دقيقة.
نتقدم بجميل الشكر للبروفيسور الدكتور عالم نفس السيد محمد قصير على قبوله الدعوة وتقديمه هذا الشرح العلمي المفصل للاشكالات المطروحة في انتظار استجابة مؤسساتية للنهوض بقطاع الصحة النفسية والعقلية، ما يساهم في فهم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر بشكل أو بآخر في السلوك العام بالمغرب وإيجاد حلول حقيقية لحل هذه الأزمة.
Comments ( 0 )