العالم على حافة الانهيار: إيران وإسرائيل وأمريكا تقرع طبول الحرب

العالم على حافة الانهيار: إيران وإسرائيل وأمريكا تقرع طبول الحرب

 

 

لم يعد التوتر القائم بين إيران وإسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، مجرد خلاف سياسي عابر أو صراع تقليدي يمكن احتواؤه عبر القنوات الدبلوماسية، بل تحول تدريجيا إلى مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالرهانات الجيوسياسية، في منطقة تعد أصلا واحدة من أكثر بؤر التوتر هشاشة في العالم.

 

قبل فترة قصيرة، تصاعدت حدة التوتر بشكل لافت على خلفية ملف تخصيب اليورانيوم الإيراني، حيث بلغت النسبة 60%، وهو مستوى تعتبره واشنطن قريبا تقنيا من عتبة إنتاج سلاح نووي، ما أعاد النقاش الدولي إلى نقطة الصفر، وأعاد معه مناخ الحرب الباردة ولكن هذه المرة في قلب الشرق الأوسط. هذا التصعيد لم يبقَ حبيس التصريحات، بل ترجمته تحركات ميدانية متسارعة، دفعت محللين سياسيين وأمنيين إلى التحذير من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدودها الجغرافية لتشمل النظام الدولي بأكمله.

في هذا السياق، برزت إيران بخطوات عسكرية تحمل رسائل واضحة، من خلال تطوير قدراتها الدفاعية البحرية، وإطلاق صواريخ بعيدة المدى انطلاقا من منصات بحرية، في خطوة تعكس انتقالا نوعيا في استراتيجيتها العسكرية، قائما على توسيع نطاق الردع ليشمل المجال البحري الحيوي، خاصة في مضيق هرمز الذي يمثل شريانا حيويا للطاقة العالمية. هذا التحول لا يمكن فصله عن رفض طهران للشروط الأمريكية، التي تعتبرها مساسا بجوهر منظومتها الأمنية، إذ ترى أن التخلي عن برنامجها الصاروخي أو تقليص نفوذها الإقليمي ليس تنازلا تقنيا، بل تهديدا وجوديا لبنية النظام نفسه.

في المقابل، تشدد واشنطن، خاصة في ظل مواقف دونالد ترامب، على أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل خطا أحمر غير قابل للتفاوض، ملوحة بخيارات عسكرية، من بينها “ضربة محدودة” قد تتحول، في حال سوء التقدير، إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في تداعياتها. هذا التلويح لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع تعزيزات عسكرية في المنطقة، وتحركات بحرية لافتة، من بينها انتشار حاملات طائرات، في مؤشر واضح على أن الخيار العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل احتمال قائم.

 

أما أوروبا، التي تجد نفسها في قلب التوازنات الدولية، فقد اختارت التحرك في اتجاه تعزيز قدراتها الدفاعية، عبر مشاريع مشتركة لتطوير الطائرات المسيرة، في اعتراف ضمني بأن طبيعة الحروب تتغير، وأن أي مواجهة مقبلة لن تكون تقليدية، بل متعددة الأبعاد، تشمل التكنولوجيا، والاقتصاد، والحروب غير المباشرة.

 

وسط هذا المشهد المتشابك، تبرز تصريحات بنيامين نتنياهو كعنصر إضافي يعمق الجدل، خاصة حديثه المتكرر عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” وبناء تحالفات إقليمية جديدة. هذه التصريحات، رغم عدم اقترانها بإعلان رسمي عن خريطة جيوسياسية محددة، فتحت الباب أمام قراءات متعددة، يرى بعضها أنها تعكس توجها نحو إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بينما يذهب آخرون إلى ربطها بمشاريع توسعية يشار إليها بمفهوم “إسرائيل الكبرى”، دون وجود تأكيد رسمي مباشر لهذا الطرح.

في خضم هذه المعطيات، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك على حافة معادلة خطيرة: تضييق مستمر لفرص التسوية مقابل اتساع متسارع لخيارات المواجهة. فكل طرف يتمسك بسقفه الاستراتيجي، وكل خطوة ميدانية تقرأ من الطرف الآخر كتهديد مباشر، ما يخلق حلقة تصعيد يصعب كسرها.

ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في كونه حربا مباشرة، ولا يمكن في الوقت نفسه اعتباره مجرد توتر عابر، بل هو حالة وسطى أكثر تعقيدا: صراع مفتوح على كل الاحتمالات، حيث تدار المواجهة بأدوات متعددة، من الردع العسكري إلى الضغط السياسي، ومن التحالفات الإقليمية إلى الحروب غير المباشرة.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأعمق معلقا: هل نحن أمام تصعيد حقيقي يتجه نحو مواجهة كبرى للعالم؟ أم أمام إدارة محسوبة للتوتر تستخدم كأداة لإعادة ترتيب المنطقة؟  لا تزال الإجابة عنه تتشكل على وقع الأحداث، في عالم يبدو أنه يقترب، أكثر من أي وقت مضى، من لحظة اختبار غير مسبوقة قد تؤدي إلى انهياره وقيام قوى جديدة أو استمرار الحروب إلى أجل غير مسمى.

 

ومع تسارع المؤشرات الميدانية وتزايد رهانات القوة، يبدو أن المنطقة تقف على مفترق طرق حاسم قد يعيد رسم ملامحها لعقود… يتبع في المقال المقبل.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .