العيون العسلية: عشق درويش يتجاوز الزمن في عالم الشعر الفلسطيني

العيون العسلية: عشق درويش يتجاوز الزمن في عالم الشعر الفلسطيني

 

 

 

يظل محمود درويش شاعر المنفى والوطن، الذي نسج من تجاربه الشخصية والجماعية قصائد تلامس الروح الإنسانية بجميع لغات العالم.

 

من بين روائعه، تبرز قصيدة “ريتا والبندقية”، التي كتبها عام 1967 ضمن ديوان “آخر الليل”، كرمز للحب المستحيل في ظل الصراع العربي الإسرائيلي. ومع أن الأنباء عن وفاة “ريتا” – التي يُقال إنها تمار بن عامي، الفتاة اليهودية التي ألهمت الشاعر – تتداول في وسائل الإعلام الشرقية مؤخراً أخبار غير مؤكدة عن وفاة صاحبة العيون العسلية، إلا أن جوهر القصيدة يتجاوز الشخصيات التاريخية ليصبح تعبيراً خالداً عن الحب بمفهومه الواسع، الذي يظل حاضراً بيننا، يتحدى الزمن والحدود.

 

مضمون القصيدة التي نسجت قصة للحب في أحضان الصراع تدور حول علاقة حب عميقة بين الشاعر وريتا، تلك الفتاة ذات “العيون العسلية” التي أصبحت رمزاً للجمال الغامض والمستحيل. وصف درويش هذا الحب بلغة شعرية مفعمة بالعواطف، حيث يجمع بين الرومانسية والواقع المرير.

 

يبدأ الشاعر بتصوير لحظات حميمة: “بين ريتا وعيوني… بندقية”، هذه العبارة الشهيرة تكشف عن التناقض الأساسي في القصيدة؛ فالحب ليس مجرد قصة رومانسية هنا، بل هو محاصر بين جدران الصراع السياسي والقومي. البندقية ليست مجرد سلاح، بل رمز للعنف والانقسام الذي يفصل بين العاشقين، حيث ينتمي الشاعر إلى شعب محتل، وريتا إلى الجانب الآخر من الصراع.

 

يغوص درويش في تفاصيل العلاقة، مستذكراً اللحظات الجميلة التي جمعتهما: “ريتا تضع يدها على جبيني”، و”ريتا تضحك… وأنا أضحك”. هذه الصور تعكس نقاء الحب الأول، الذي يتجاوز الاختلافات الثقافية والدينية. لكن الشاعر لا يتجاهل الواقع؛ فالعيون العسلية، التي تُذكر مراراً، تمثل الجاذبية الساحرة، بينما البندقية تذكرنا بالتهديد الدائم.

 

يقول: “ريتا… والبندقية… وأنا بينهما”، مشيراً إلى موقفه كشاعر فلسطيني يعيش في “أراضي 48″، بعد نكبة 1948 التي أجبرته على النزوح من قريته “البروة” إلى لبنان، ثم العودة إلى وطن محتل.المضمون العميق للقصيدة يكمن في دمج الحب الشخصي بالقضية الوطنية.

 

الحب هنا ليس فردياً فقط، بل هو استعارة للعلاقة المعقدة بين الشعوب. ريتا، بجمالها وعيونها العسلية، تمثل الإنسانية المشتركة، بينما البندقية ترمز إلى الاحتلال والعنف الذي يمنع التلاقي. يعبر الشاعر عن ألم الفراق: “ريتا غادرت… والبندقية بقيت”، مما يعكس كيف يتحول الحب إلى ذكرى مؤلمة في ظل المنفى. هذا التحول يجعل القصيدة ليست مجرد قصة حب، بل شهادة على الفقدان الجماعي للفلسطينيين، حيث يصبح العشق جزءاً من المقاومة الثقافية.

 

التأويلات المتعددة والانتشار الواسع لللقصيدة لاقى تأويلات كثيرة، بعضها يربطها بحب حقيقي لفتاة يهودية التقاها درويش في شبابه، بينما يرى آخرون فيها رمزاً للوطن المفقود أو للأمل في السلام المستحيل. ما زاد من شهرتها هو تلحينها على يد الفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي غناها مع أغانٍ أخرى مثل “أحن إلى خبز أمي” و “قلبي قمر أحمر” ، مما جعلها تنتشر في العالم العربي كأنشودة للحب والمقاومة.

 

في زمن الصراع، أصبحت “ريتا” صوتاً يعبر عن المشاعر الغامضة، حيث يظل الحب، رغم كل شيء، قوة تجمع ولا تفرق.

 

أما عما وراء الأخبار المتداولة لوفاة ريتا، فهي تبقى مجرد أخبار متداولة، تحمل الكثير من الألغاز كما القصيدة نفسها. لكن الحقيقة الأبدية تكمن في أن الحب بمفهومه الواسع – الحب للوطن، للإنسان، للجمال – لا يموت. يظل حاضراً بيننا، يلهم الأجيال الجديدة، ويذكرنا بأن العيون العسلية ليست مجرد ذكرى، بل نور يضيء دروب العشق الدرويشي. في قصيدة درويش، يتجاوز الحب الحدود، ويبقى خالداً، كما الشعر نفسه.

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .