اللاأمكنة في عطلة نهاية الأسبوع: عبور بلا جذور في زمن العزلة

اللاأمكنة في عطلة نهاية الأسبوع: عبور بلا جذور في زمن العزلة

 

 

 

في عصر الحداثة المفرطة، كما يصفها مارك أوجيه في كتابه “اللاأمكنة: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة”، لم نعد نقيم في أماكن، بل نعبرها. المطارات، الطرق السريعة، الفنادق، المراكز التجارية… هذه الفضاءات المؤقتة لا تبني هوية ولا علاقات اجتماعية ولا ذاكرة جماعية.

 

إنها رموز للعزلة الممأسسة، حيث يصبح الإنسان متصلًا بالعالم كله، لكنه منفصل عن ذاته وعن الآخرين.

 

في نهاية أسبوع تبدو مليئة بالاحتمالات، تتحول هذه اللاأمكنة إلى مرآة تعكس تفكك الانتماء، وسط زحام يخفي وحدة عميقة. اجلس في مقهى عادي بشارع اختير له من الأسماء جورج كينيدي، ليس مطارًا دوليًا ولا طريقًا سريعًا، لكنه يحمل جوهر “اللامكان”. أجلس هناك، أكتب، محاطًا بجدران زجاجية تطل على الشارع الذي احتله البدو، وطاولات مستديرة صغيرة تتسع لمشروبين فقط. تتقدم فتاة في مقتبل العمر، تحرك كرسيًا برجلها لتعدله أمام مائدتها، تجلس وحيدة. تُجري مكالمة فيديو قبل طلب كوب قهوة يتبعه كأس حليب ساخن ليرافق الكرواسون التي احظرتها، تشعل سيجارة شقراء، وتبدأ في تبادل الحديث مع صديقة عن برنامج نهاية الأسبوع المحتمل؛ خروج مع أصدقاء يغدقون بالمشتريات وتعبئة الهاتف، سفر إلى القرية حيث تركت ابنها الصغير مع جدته، أو مغامرة في منتجع ساحلي للتعرف على أصحاب النظارات الشمسية ومفاتيح السيارات الفاخرة.

 

قهقهات سرعان ما تنطفئ، يعم الصمت في الفضاء العلوي للمقهى، حيث يختار الزبون لحظات من العزلة المقننة.هذا المقهى، في ظاهره يبدو مكانًا تقليديًا، يتحول إلى “لامكان”. لا علاقات هنا، بل علاقات عقدية، طلب قهوة، دفع إلكتروني، جلوس مؤقت. الفتاة ليست جزءًا من حيّنا، بل عابرة تشاركنا الفضاء دون عمق. هويتها في هاتفها، في مكالمتها، الفيديو، لا في ذاكرة مشتركة أو حوار عفوي. أنا أيضًا أستقبل مكالمة فيديو، أتحدث عن برامج نهاية الأسبوع، أدعي دعوتي إلى جوهانسبرغ عبر e-mail لن أحضرها لعدم امتلاكي جواز سفر أصلي. زحام شديد وسط الحشود، والكل يشعر بالعزلة. أفكر في دعوتها لكسر عزلتها، بعد أن لفتت انتباهي شاشة هاتفها الصامتة التي تراقب فيها تقنيات فنون القتال – ربما تشعر بخطر يهددها أكثر من العزلة في هذه المدينة. لكنني أحضر كأس ماء وأختار الصمت، أعود إلى الكتابة.في “الحداثة المفرطة” التي يحددها تسارع الزمن، تقلص المكان، وتكدس الأحداث، تصبح نهاية الأسبوع مجرد سلسلة من الاحتمالات المبرمجة. لا تجذر، بل عبور. المقهى ليس استثناءً؛ إنه امتداد للمطار أو الفندق. ننتقل من مكالمة فيديو إلى أخرى، من خطط افتراضية إلى تنفيذ مؤجل، دون أن نهضم التجارب. الإنسان المعاصر يعبر دون إقامة، ينتقل دون تجذر، يشاهد دون عيش فعلي. هذه العزلة ليست مأساة شخصية، بل وباء عصر ما بعد الحداثة، كما أكتب في إحدى مقالاتي: تمرغ في الفوضى الأخلاقية وانهيار القيم المجتمعية، أزمة حضارية تتجلى في اليومي الهادئ.

 

اللاأمكنة، كما يرى أوجيه، مرآة للوعي الحديث. في المقهى، نكون أفرادًا عامين، مسافرين داخل مدينتنا، مستهلكين للقهوة والصمت. مرئيون عبر الكاميرات والشاشات، مجهولون وجوديًا. نهاية الأسبوع، التي كانت وقتًا “ثالثاً” للانتماء والعلاقات، أصبحت زمن انتظار في لامكان، خطط عبر الهاتف، مغامرات افتراضية، عزلة داخل زحام. الفتاة تترك ابنها في القرية – مكان أنثروبولوجي تقليدي – لتعبر إلى منتجع ساحلي، لامكان آخر يعد بالإثارة دون عمق.لكن في هذا العبور، فرصة للتأمل. الأنثروبولوجيا، كما يدعو أوجيه، يجب أن تدرس الحياة اليومية الحديثة، المقهى كميدان لفهم تحول الهوية. ربما نهاية أسبوعنا القادمة تبدأ بكسر الدائرة.. دعوة عفوية، حوار حقيقي، خطوة خارج الشاشة. فاللاأمكنة ليست قدرًا، بل دعوة لإعادة بناء المعنى في زمن السرعة. في النهاية، نحن في كل مكان ولا مكان، لكن الاختيار بيدنا.. هل نعبر فقط، أم نبني جذورًا جديدة وسط الفوضى؟

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .