هشام الحو
تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “جميع البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق”. ومع ذلك، فليس كل الشباب متساوون قبل بلوغهم سن الرشد، فالولادة داخل أسرة فقيرة تقلل إلى حد كبير من فرص الطفل في الحصول على تعليم جيد و خدمات صحية جيدة، وسكن لائق خاصة بالأوساط القروية والأحياء الهامشية التي تنذر فيها فرص العمل المربح، والتمتع بمستوى معيشي لائق مستقبلاً.
فوفقًا لبعض التقديرات، فإن ما لا يقل عن 50٪ من التفاوتات في الدخل مدى الحياة بين الأفراد ترجع إلى عوامل مستوى دخل الأسرة قبل سن 18؛ ففي تصريح أمام الأكاديمية السويدية، قال جيمس هيكمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2000 : ” إنهم موجودون بالفعل ، في الغالب منذ سن الخامسة، في دول( منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية)، حيث يحصل حوالي 63٪ من الأطفال الذين يتمتع آباؤهم بمستوى عالٍ من التعليم على مؤهل تعليمي عالٍ ، في حين أن 15٪ فقط من الأطفال الذين لم يكمل آباؤهم المرحلة الثانوية، تقل فرصهم أمام جودة الحياة “، هذا و لم يذكر الخبير الاقتصادي وضع الأطفال بالدول السائرة في طريق النمو و بلدان العالم الثالث، التي تزيد فيها معدلات التفاوت المعيشي وتغيب العدالة الاجتماعية.
شباب حاصلون على تمثيل زائد دون غيرهم
تؤثر هذه التفاوتات الموروثة حتى على متوسط العمر المتوقع، ففي الإتحاد الأوروبي مثلا، يمكن للرجال البالغين من العمر 30 عامًا الذين لم يتخرجوا من التعليم الثانوي، أن يتوقعوا أن يعيشوا حوالي ثماني سنوات في المتوسط أقل من أولئك الذين اتيحت لهم الفرصة لولوج الجامعة.
أما في المغرب فبلغت نسبة الشباب العاطل عن العمل ودون انخراط في برنامج تعليمي، معدل واحد من أربعة شباب، يرجح أن تكون غالبيتهم من الأوساط الفقيرة، عملا بالمقولة المأثورة (باك صاحبي) أو (خالتي في العرس) ، والتي تكرس مفهوم الإنتماء إلى وسط اجتماعي معين للانخراط بوظيفة مريحة. تقيك من العمل في القطاع الغير مهيكل أو البطالة المقنعة أو الإنخراط في الأعمال الخارجة عن القانون.
عدم المساواة وتقاسم الثروة إشكال هيكلي
قارن الباحثون في إنجلترا بين الألقاب العائلية في عامي 1770 و 2012 ، فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي للأشخاص، وخلصوا إلى أن الوضع الاجتماعي استمر إلى حد كبير حتى بعد مائتي عام، وأن الحراك الاجتماعي الآن بالكاد أعلى مما كان عليه في فترات ما قبل الثورة الصناعية.
وضع لا يختلف كثيرا، إن قارناه بالوضعية المريحة لعائلات في المغرب توارثت امتيازات الريع، وسلطة المال، التي منحتها لهم الدولة بعد الاستقلال للنهوض ببعض القطاعات الاقتصادية، ليتبين فيما بعد أنها مجرد امتيازات ريعية، ساهمت في تراكم ثروات العائلات المحظوظة، دون تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود، فلا مأذونيات “الصيد البحري” ولا مأذونيات “النقل الحضري” وبين المدن، حققت الإقلاع المنشود لهذه القطاعات أو حتى تحسين مستوى عيش الطبقة العاملة بها، والتي تنتمي في غالبيتها لأسر معوزة تعمل بالحد الأدنى للأجور، وتكافح من أجل توفير ما تخلفوا عنه لأبناءهم، من سكن لائق وتعليم جيد عسى أن يساعدهم ذلك في تسلق السلم الاجتماعي المهترئ الذي يتوفرون عليه.
متى يحين الوقت ؟ ليساهم أكثرهم حظًا من الكبار في تحسين وضعية شباب الفئة الفقيرة أمام عجز برامج التنمية
لا وجود يلوح في الأفق، لحلول تكسر الحلقة المفرغة للفقر في أوساط الشباب بشكل نهائي، رغم مقترح إنشاء حد أدنى شامل لدّخل الشباب بين نهاية التعليم الثانوي وسن 25، والمتمثل في منح الدراسة الجامعية، و لا حتى المنح المالية المقدمة لأولياء تلاميذ الوسط القروي لمساعدة أبناءهم لإكمال مسارهم الدراسي.
فوفقًا للأمم المتحدة ، فإن الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا يشكلون نصف الأشخاص الذين يعيشون في فقر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في جميع أنحاء العالم، ويتم تمثيل هؤلاء الشباب بشكل مفرط في وظائف محفوفة بالمخاطر وذات أجور منخفضة، بينما يتم استبعادهم من العديد من برامج المساعدة لإنشاء مشاريعهم الخاصة، بسبب نقص قنوات التواصل مع المانحين، وتفشي الفساد و الرشوة وغياب المنافسة الشريفة.
عائق نسقية الرشوة للوصول إلى مستوى معيشي معين
أكدته جمعية ترانسبرانسي المغرب، في دراسة لها مؤخرا تحت عنوان؛ “الرشوة النسقية عامل ومؤشر للتنمية السيئة”، حيث أوضحت الجمعية المختصة في دراسة الشفافية، أن الرشوة في المغرب “نسقية“، ولها آثار اقتصادية مدمرة “تكبح التنمية“ التي ينتظرها شباب الأوساط الفقيرة، ويؤثر نسقها السلبي واستمرارها على منظومة الآليات الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، مما أدى في النهاية إلى انتشار البطالة في أوساط الشباب، الذي فضل غالبيتهم الجنوح للهجرة و المخدرات المتوفرة بأنواعها.
وما يثبت استمرارية الظاهرة في المغرب، عدد من المؤشرات، منها مؤشر إدراك الرشوة، حيث حصل المغرب سنة 2020 على معدل 41/100، واحتل الرتبة 86 من ضمن 186 بلدا، ومؤشر سيادة القانون. كل هذه المؤشرات ترسم معالم شباب مغربي يعاني من رشوة نسقية ومعممة، تتمظهر في الطرق الملتوية للحصول على وظيفة مريحة، سواء عبر المحسوبية أو سلطة المال أو المحاباة، بالإضافة إلى الظواهر التي باتت منتشرة بشكل كبير في المؤسسات التعليمية العليا (ظاهرة الجنس مقابل النقاط في الجامعات انموذجا)، أو امتياز مريح إن لم يكن الشخص مزداد بملعقة ذهب في فمه. فلا مكان للعصامية أو البداية من نقطى الصفر، التي تظل من الحالات الخارقة وسط مجتمع أصبحت الرأسمالية متحكمة في معالمه وتوجهاته التي سبق ذكرها .
Comments ( 0 )