بركة يناقش السيادة الغذائية بالمغرب: بين الواقع ورهانات الأمن المائي
احتضنت الدار البيضاء، مساء أمس الإثنين 2 مارس 2026، جلسة نقاش ضمن مائدة إفطار “L’ftour Des Ingénieurs”، خصصت لموضوع السيادة الغذائية بالمغرب بين الواقع والرهانات، وذلك بمبادرة من رابطة المهندسين الاستقلاليين، بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، وبحضور عدد من الفاعلين السياسيين والخبراء.
وترأس أشغال هذه الجلسة السيد نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بمشاركة كل من عزيز هيلالي، عضو اللجنة التنفيذية للحزب ورئيس الرابطة، وأنوار العلوي الإسماعيلي، الكاتب الجهوي للرابطة بجهة الدار البيضاء–سطات، إلى جانب ستيفن هوفرن، الممثل المقيم لمؤسسة كونراد أديناور بالمغرب، وبحضور عبد اللطيف معزوز، رئيس مجلس جهة الدار البيضاء–سطات.
![]()
وانطلق النقاش من سؤال إشكالي محوري طرحه بركة: هل يمكن الحديث عن سيادة غذائية في ظل تراجع هيكلي للموارد المائية؟، وهو ما فتح الباب أمام تحليل عميق للتحولات البنيوية التي يعرفها الوضع المائي الوطني، وانعكاساته المباشرة على الأمن الغذائي بالمملكة.
وفي هذا السياق، كشفت المعطيات أن المغرب سجل خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2025 تراجعا حادا في الواردات المائية، التي لم تتجاوز 3.87 مليارات متر مكعب سنويا، وهو أدنى مستوى منذ سنة 1945، مع تسجيل سبع سنوات متتالية من العجز المائي، بنسب تراوحت بين ناقص 54 وناقص 85 في المائة.
![]()
وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على القطاع الفلاحي، حيث تم فقدان حوالي 40 ألف هكتار من المساحات المخصصة للحوامض خلال خمس سنوات، إلى جانب ارتفاع الطلب على القطيع في ظل غلاء الأعلاف، ما ساهم في ارتفاع الأسعار.
كما تم التوقف عند الاستغلال المفرط للفرشات المائية، إذ بلغ حجم السحب السنوي حوالي 5.4 مليارات متر مكعب، مقابل قدرة استدامة لا تتجاوز 2.2 مليار متر مكعب، أي بما يفوق المعدل الطبيعي بحوالي مرتين ونصف، في وقت تستغل فيه أكثر من 80 في المائة من الآبار والأثقاب دون ترخيص.
![]()
وسجل كذلك انخفاض مقلق في منسوب بعض الفرشات، خاصة فرشة سوس التي تراجع منسوبها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، شهدت الفترة الممتدة بين دجنبر 2025 وفبراير 2026 تحسنا ملحوظا، حيث بلغت الواردات المائية 13.87 مليار متر مكعب، تم تخزين حوالي 60 في المائة منها، ما مكن من رفع نسبة ملء السدود من 27.6 في المائة إلى 70.3 في المائة، مع تجاوز نسبة 80 في المائة في 37 سدا، من بينها 13 سدا سجلت فائضا.
ويعكس هذا التحول السريع من عجز حاد إلى فائض مهم خلال فترة وجيزة دخول المغرب مرحلة الظواهر المناخية القصوى، وهو ما يفرض إعادة التفكير في السياسة المائية، في ظل ضرورة تدبير الندرة والفيضانات في آن واحد.
![]()
وأكد النقاش أن السيادة الغذائية بالمغرب أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بتأمين الموارد المائية، خاصة وأن 75 في المائة من المياه المعبأة تُوجه إلى الفلاحة المسقية، ما يجعل أي اضطراب في مياه الري تهديدا مباشرا للإنتاج الوطني من الحبوب والقطاني والحوامض.
وفي ما يتعلق بالبنيات التحتية، يتوفر المغرب على 156 سدا كبيرا بسعة إجمالية تناهز 20.8 مليار متر مكعب، إضافة إلى 150 سدا صغيرا ومتوسطا، و17 محطة لتحلية مياه البحر، و18 منشأة لتحويل المياه. كما بلغت القدرة السنوية لتحلية المياه حوالي 350 مليون متر مكعب سنة 2025، إلى جانب إعادة استعمال نحو 52 مليون متر مكعب من المياه العادمة.
![]()
في سياق متصل، تم التأكيد على أهمية الربط بين الماء والطاقة، خاصة في إطار الشراكات الدولية، حيث تُعد تحلية مياه البحر خيارا استراتيجيا، رغم كلفتها الطاقية، ما يستدعي الاعتماد على الطاقات المتجددة لضمان إنتاج مستدام ومنخفض الكلفة.
وفي هذا الصدد، تفرض التحولات المناخية الراهنة ضرورة ملاءمة السياسة الفلاحية مع المعطى المائي الجديد، من خلال تعميم السقي الموضعي، وتحسين مردودية شبكات الماء الصالح للشرب لتصل إلى 85 في المائة، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة لتبلغ 100 مليون متر مكعب في أفق 2027، فضلا عن إنجاز مشاريع لشحن الفرشات المائية، واعتماد أصناف زراعية مقاومة للجفاف.
في ختام اللقاء، شدد على أن التحكم في الموارد المائية يشكل المدخل الأساسي لتحقيق السيادة الغذائية، التي لم تعد تعني الاكتفاء الذاتي الشامل، بل بناء نموذج مرن يقوم على إنتاج وطني استراتيجي للمواد الحيوية، وإنتاج مختلط للمواد شبه الاستراتيجية، وانفتاح مدروس على الأسواق الدولية بالنسبة للمواد غير الحيوية.
![]()
وقد عرفت هذه الجلسة مشاركة عدد من الخبراء، من بينهم محمود الودغيري، خبير في الاقتصاد والمالية، وكمال الزين، خبير في الاقتصاد والتنمية، وزكرياء كارتي، محلل اقتصادي ومالي، وهشام المنصوري، رئيس سلسلة الإمداد المتكاملة بوحدة الأعمال الاستراتيجية للتعدين بالمكتب الشريف للفوسفاط.
لعل هذه المبادرة تمثل خطوة استباقية في ملف السيادة الغذائية بالمغرب ورهانات الأمن المائي، من خلال اقتراح حلول فعالة لمواكبة التحولات المناخية القصوى، وتحقيق الاستدامة وفق التوجيهات الملكية السامية في مجال السياسة المائية، بما يضمن قدرة المغرب على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة ومرونة.
Comments ( 0 )