تأنيث الإدارة التربوية و النحلة الملكة (ظواهر ناشئة)
في سياق التحولات البنيوية التي يعيشها سلك التعليم المغربي، من ميثاق 1999 إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، مروراً ببرنامج “التعليم الجديد” الذي يضع «التلميذ في قلب المنظومة»، أصبحت ظاهرة تأنيث الإدارة واقعاً إحصائياً لا يُنكر.
حسب البيانات الرسمية لوزارة التربية الوطنية للموسم 2024-2025، تجاوزت النساء عتبة 52% من مجموع أطر التدريس في التعليم العمومي، بل بلغت حصتهن في التوظيفات الجديدة 63% سنة 2024 (مقابل 54% سنة 2021). أما في التعليم الابتدائي فوصلت إلى 59%.
هذا التأنيث الذي كان يُقدَّم فلسفياً كـأمومة مدرسية رعائية، يواجه اليوم تحدياً سيكولوجياً وبنيوياً عميقاً ..كيف يمكن أن يتحول الضوء الإبداعي إلى ظلٍّ يُطفئ الشعلة؟
الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي حددت ثلاثة محاور أساسية – الإنصاف، الجودة، الارتقاء – تُصرّ على تنمية الكفايات، التفكير الناقد، والإبداع كجوهر للمشروع المجتمعي.
![]()
لكن التقارير الدولية (مثل PISA 2022) تكشف فجوة صارخة، فمعدل المغرب في القراءة 339 مقابل 487 للمتوسط الدولي، و66% من الأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط. هذه الفجوة ليست تقنية فقط، بل هي انعكاس لأزمة داخلية، لأن المدرسة التي تُطالب التلميذ بالإبداع تُحاصر معلّميها المبدعين بآليات بيروقراطية صلبة. فالمركزية الإدارية المفرطة، التي انتقدتها الرؤية نفسها في تقريرها، تحولت إلى درع يحمي النمط السائد من أي تميّز يهدّد الرتابة. هنا يبرز النقد السيكولوجي الاعمق لبيئة الإدارة حيث تبرز ظاهرة «النحلة الملكة» (Queen Bee Syndrome) كأحد أبرز الظواهر الناشئة التي اصبح يشتكي منها أطر التدريس، وهي ظاهرة نفسية يمكن كشفها من خلال ما وُثِّق عنها في علم النفس التنظيمي، حيث تبتعد المرأة في موقع المسؤولية عن زميلاتها الأصغر سنّاً حسب الوضع الإجتماعي ، وتُشدّد عليهن المعايير، وتُعيق تقدمهن، لا عن كره، بل دفاعاً عن ذاتها أمام تهديد التميّز.
في بيئة تعليمية أصبحت «مؤنثة» بنسبة تفوق 50%، لم يعد التنافس جندرياً بحتاً، بل تحول إلى صراع داخلي ..النجاح الفردي لأستاذ(ة) شابة—ملهم(ة)، مبتكر(ة)، مبهر(ة) على حد وصف حسن الفد في مناظرة التعليم ..صُقل(ت) في جبال أو على تخوم المحيط — يُقرأ كتهديد لـلمساواة في الرتابة. فتُستعمل أدوات إدارية تقليدية لتحديد السرعة و الإبداع (عدد الدقائق، شكل الدفاتر، عدد التمارين، ترتيب الستائر، البستنة) ليس للتقويم، بل للتحجيم. هذا ليس ضعفاً إدارياً عادياً، بل إسقاطاً نفسياً للنقص المهني، كما يصف علم النفس التربوي، المسؤول(ة) التي يشعر بالتهديد من الإبداع يحول السلطة إلى سيف يقص الأجنحة بدل أن يحميها.
هذا الواقع يتناقض جذرياً مع فلسفة الرعاية التربوية التي أسستها الرؤية. الفيلسوف جان جاك روسو في “إميل” جعل الأمومة التربوية نموذجاً للرعاية الحرة، وماريا مونتيسوري رأت في المعلم “مُسهّلاً” لا “حارساً” . أما جون ديوي فأكد أن المدرسة الديمقراطية لا تتسع للإبداع إلا إذا احتضنت إبداع معلّميها أولاً.
في المغرب، يبدو أننا نعيش «أمومة مشروطة»: الدفاع عن «التلميذ الملك» او «الزبون الملك» اذا اردنا دمج الموضوع بالتعليم الخصوصي، يتوقف عندما يتعارض مع حسابات ضيقة أو غيرة مستترة. إطفاء شعلة أستاذ(ة) واحد(ة) ليس مجرد ظلم فردي؛ إنه حكم بالإعدام على خيال مئات التلاميذ الذين رأوا فيه(ا) نافذة على العالم. فالطفل لا يتعلم من المنهاج فقط، بل من النموذج الحيّ الذي يجسّد الحرية أمامه.
كيف نطلب من التلميذ التفكير الناقد إذا كان معلّمه يُعاقب على التفكير خارج الصندوق؟ النقد يمتد إلى البعد البنيوي، فرغم ارتفاع تمثيل النساء في التدريس، بقيت نسبة تأنيث مناصب المسؤولية في قطاع التربية حوالي 19-20% فقط (ارتفاع طفيف من 14% مركزياً بين 2021-2024). هذا يعني أن التدبير النسوي لم يُكتمل بعد، وأن السلطة لا تزال تُمارس في إطار ثقافي تقليدي يفضّل الامتثال على الابتكار. الشطط في استعمال السلم الإداري ليس قوة، بل أقصى درجات الضعف، فهو اعتراف بأن النظام لا يستطيع احتواء التميز إلا بقمعه. وهذا يُعيق الهدف الاستراتيجي الأكبر، الممثل في الارتقاء بالفرد والمجتمع.
المدرسة التي تضيق عن احتضان نجاح أساتذتها، تضيق بالضرورة عن احتضان مستقبل أجيالها.لكن النقد لا يعني اليأس؛ إنه دعوة للمراجعة الأخلاقية والفلسفية. نحن بحاجة إلى ثقافة إدارية جديدة تُحوّل التدبير النسوي من منطق المنافسة إلى منطق الرعاية الجماعية. و هذا يتطلب تكويناً إلزامياً للمديرين في القيادة الشاملة والذكاء العاطفي، لمواجهة ظاهرة “النحلة الملكة” قبل استفحالها.
![]()
نظاماً للتقدير التربوي يُكافئ الإبداع (مشاريع صفية، ابتكارات منهجية، نتائج نوعية) لا يعاقبه.
لا مركزية حقيقية تمنح المؤسسة هامشاً لاحتضان المتميزين بدل مطاردتهم.
مراجعة فلسفية لـالأمومة المدرسية تجعلها رعاية مفتوحة لا سياجاً.
إن الإصرار الذي حمله أساتذتنا من أقاصي الجبال إلى المحيط و الصحاري ليس مجرد طموح فردي؛ إنه رصيد وطني.
المدرسة التي تحتفل بالضوء وترفض أن يُفسدَ الظلُّ بهجته هي المدرسة القادرة (الرائدة) على تحقيق شعار “تعليم الجودة للجميع”. أما المدرسة التي تقص الأجنحة بدعوى المساواة في الرتابة، فهي مدرسة تُجهض المستقبل قبل أن يولد.هذا التحدي الأخلاقي أمام قياداتنا التربوية اليوم ليس اختيارياً, إما أن نختار ثقافة الرعاية الحقيقية التي تُكرّم التميز، أو نكتفي بصورة معلّقة على الجدران. الجواب لا يحدد مصير أستاذ(ة) متميزة فحسب، بل مصير مشروع وطني بأكمله. فالإبداع ليس ترفاً؛ إنه شرط وجود المدرسة المغربية في القرن الحادي والعشرين.
Comments ( 0 )