تلبس الجن بالإنسان من منظور علم النفس
ما تزال تفسيرات الغيب تُستدعى بكثافة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لتبرير ما يعجز العقل عن فهمه، خصوصا حين يتعلق الأمر بالاضطرابات النفسية والسلوكية. فنوبات الصرع، والاكتئاب الحاد، والهلوسة، وتغير الشخصية، أو فقدان الوعي، كثيرا ما تختزل في تفسير واحد جاهز: المس أو تلبس الجن. فما هو موقف العلم من هذه الظاهرة. هل نحن أمام إرث ثقافي قديم أعاد إنتاج نفسه داخل الوعي الجمعي معتمدا على تأويلات غير دقيقة للنصوص؟ أم أمام حقيقة دينية ثابتة؟
في هذا المقال، نفتح الملف من زاوية علم النفس، انطلاقا من الطرح التحليلي النقدي للبروفيسور الدكتور محمد قصير، فيلسوف وعالم نفس مغربي، يفكك خرافة “تلبّس الجن” بالاستناد إلى التاريخ، والأنثروبولوجيا، واللغة القرآنية، والعلم الحديث، بعيدا عن أي موقف عدائي من الدين أو إنكار لعالم الغيب.
من منظور علم النفس، يرى الدكتور قصير أن الاعتقاد بتلبس الجن ليس ظاهرة دينية خالصة، بل نمط تفسيري إنساني قديم ظهر كلما عجز الإنسان عن فهم ما يحدث داخل جسده أو عقله. فالتشنجات، والهلوسات، ونوبات فقدان الوعي، أو انفجارات الغضب، كانت عبر التاريخ تنسب إلى قوى خفية، لا لكونها كذلك فعلا، بل بسبب غياب أدوات الفهم العلمي. مؤكدا أن هذا النمط ليس حكرا على ثقافة بعينها، بل هو ظاهرة أنثروبولوجية عالمية.
ففي المجتمعات البدائية، كان المرض يفهم على أنه كيان خارجي دخل الجسد، وتمارس طقوس معينة لطرده. أما في الحضارات القديمة، كالمصرية والبابلية والهندوسية، فقد انتشرت نصوص تتحدث عن صراع السحرة مع الأرواح داخل الأجساد، بينما نسبت أوروبا في العصور الوسطى الأوبئة إلى الشياطين، وتحولت الكنيسة إلى مؤسسة لطرد الأرواح.
وفي تحليله للموروث العربي قبل الإسلام، يوضح الدكتور قصير أن الاعتقاد بالجن كان ذا وجهين متناقضين:
_ وجه إيجابي ربط العبقرية الشعرية بالجن، ونسب الإبداع إلى وادي “عبقر”، وهو ما يوازي لغويا مفهوم genius في الثقافة الغربية.
_ وجه سلبي ربط الجن بالجنون والصرع والسلوك غير المألوف.
وهنا يلفت إلى نقطة محورية مفادها أن الجن لم يكونوا يتصورون ككائنات داخل الجسد، بل كتفسير خارجي لما يحدث في العقل والسلوك.
وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور قصير أن الإسلام أحدث قطيعة معرفية مع الخرافة، رغم إقراره بوجود الجن. فالقرآن الكريم أقر بوجودهم صراحة، لكنه لم يقل إنهم يدخلون أجساد البشر أو يتحكمون في إرادتهم. ويطرح سؤالا نقديا مباشرا:
_ إذا كانت خرافة التلبس حقيقة دينية، فلماذا تتراجع بشكل واضح في المجتمعات ذات الوعي العلمي المرتفع، بما فيها بعض المجتمعات الإسلامية؟
وحسب التحليل النفسي، يرى الفيلسوف المغربي أن هذا المعطى يشير بوضوح إلى أن المسألة ثقافية معرفية لا عقدية. وفي هذا الإطار، ينطلق طرحه من ثلاث مرجعيات أساسية:
_ القرآن الكريم كنص، لا كتأويل شعبي.
_ الطب النفسي والعصبي لفهم ما يجري داخل الدماغ.
_ الأنثروبولوجيا لفهم لماذا تنتشر الخرافة حيث يضعف الوعي العلمي.
ويخلص إلى أن ما يسمى “المس” ليس إلا توصيفا أسطوريا لأمراض نفسية وعصبية حقيقية، وأن النص القرآني نفسه لا يدعم هذا الاعتقاد.
ختاما، هذا ما يقوله علم النفس وهذا هو تفكيك الخرافة من زاوية معرفية علمية. لكن يبقى السؤال الجوهري: ماذا يقول الفقهاء وعلماء الإسلام؟ ثم هل يتعارض هذا الطرح مع النصوص الشرعية؟ أم أن الفقه الإسلامي نفسه أكثر دقة مما يُروَّج شعبيًا؟
في المقال المقبل، سنعرض الرأي الفقهي والعلمي الإسلامي ونقارن بين النص والتأويل.
Comments ( 0 )