تناقضات اليسار في مطلع 2026: صعود في نيويورك وسقوط في فنزويلا
مع بداية العام الجديد 2026، يشهد العالم السياسي تحولات دراماتيكية تكشف عن تناقضات عميقة في مسار الحركات اليسارية. من جهة، يحتفل اليسار الديمقراطي في الولايات المتحدة بصعود زهران مامداني، الاشتراكي الديمقراطي، إلى منصب عمدة مدينة نيويورك، فيما يُمثل هذا الفوز انتصاراً للأجندة التقدمية في قلب الرأسمالية العالمية.
من جهة أخرى، يأتي القبض على نيكولاس مادورو، الزعيم اليساري السابق لفنزويلا، بواسطة القوات الأمريكية في عملية عسكرية جريئة في 3 يناير، ليُشكل ضربة قاصمة لليسار الراديكالي في أمريكا اللاتينية.
هذان الحدثان، رغم اشتراكهما في الخلفية اليسارية، يبرزان اختلافات جذرية في السياقات السياسية والجيوسياسية، خاصة في عالم يبحث عن تحالفات جديدة وسط تصاعد التوترات بين القوى الغربية والشرقية. في هذه المقالة التحليلية، سنستعرض مدى هذه الاختلافات وتأثيرها على المصالح الجيوسياسية العالمية.صعود مامداني: انتصار اليسار الديمقراطي في الداخل الأمريكيفي 4 نوفمبر 2025، فاز زهران مامداني، النائب الديمقراطي الاشتراكي في مجلس الولاية عن منطقة كوينز، بانتخابات عمدة نيويورك بنسبة 50.78% من الأصوات، محطماً توقعات المنافسين مثل أندرو كومو والجمهوري كورتيس سليوا.
مامداني، البالغ من العمر 34 عاماً وابن المخرجة الهندية ميرا ناير والأكاديمي محمود مامداني، يُصبح أول عمدة مسلم للمدينة وأصغر عمدة منذ أكثر من قرن.
يمثل صعوده انتصاراً لليسار التقدمي، الذي يركز على قضايا مثل العدالة الاجتماعية، إصلاح الشرطة، والمساواة الاقتصادية، مدعوماً من شخصيات مثل بيرني ساندرز وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز.
هذا الصعود يأتي في سياق داخلي أمريكي يشهد تصاعداً للحركات اليسارية داخل الحزب الديمقراطي، خاصة في المدن الكبرى مثل نيويورك، التي تمثل مركزاً اقتصادياً عالمياً. مامداني، الذي بدأ مسيرته السياسية كمشرع محلي، استفاد من حملة شعبوية تركز على مكافحة الفساد والدفاع عن المهاجرين، مما يعكس تحولاً في الرأي العام الأمريكي نحو أجندات أكثر راديكالية في مواجهة الرأسمالية المتوحشة.
ومع ذلك، يواجه تحديات في ظل عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، حيث قد يصطدم سياساته المحلية مع التوجهات الفيدرالية اليمينية.
سقوط مادورو: تدخل أمريكي يسقط زعيماً يسارياً راديكالياًفي المقابل، يمثل القبض على نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026 نقطة تحول قسرية. تحت أوامر الرئيس ترامب، نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية في كاراكاس أدت إلى اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهم تهريب المخدرات والإرهاب.
مادورو، الذي حكم فنزويلا منذ 2013 كخليفة لهوغو تشافيز، يُتهم بقيادة “كارتل الشموس” الذي يتعاون مع منظمات إرهابية لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
في محاكمته الأولى في نيويورك في 5 يناير، أعلن براءته، معتبراً نفسه “مخطوفاً” وما زال رئيساً شرعياً.
هذا الحدث يعكس اليسار الراديكالي في أمريكا اللاتينية، الذي يعتمد على الشعبوية الاشتراكية والتحالفات مع قوى معادية للغرب مثل روسيا والصين وإيران. مادورو نجا من محاولات سابقة للإطاحة به، مثل تلك التي قادها خوان غوايدو في 2019، لكنه سقط أمام تدخل أمريكي مباشر، مما يثير مخاوف من عودة سياسة “المدافع الكبير” الأمريكية في المنطقة.
الاختلافات الجوهرية: ديمقراطية مقابل تدخل قسرييبرز الفرق بين الحدثين في الآليات والسياقات. صعود مامداني هو نتيجة عملية ديمقراطية داخل نظام رأسمالي، حيث يمثل اليسار تطوراً داخلياً يعتمد على الانتخابات والحملات الشعبية، مما يعزز من صورة الولايات المتحدة كديمقراطية متعددة الأصوات.
أما سقوط مادورو فهو نتيجة تدخل خارجي عنيف، يعكس فشل اليسار الراديكالي في مواجهة الضغوط الجيوسياسية، خاصة في دول تعاني من أزمات اقتصادية مثل فنزويلا، حيث أدت سياسات مادورو إلى انهيار اقتصادي وهجرة جماعية.في سياق عالمي يبحث عن تحالفات سياسية، يُظهر صعود مامداني إمكانية اندماج اليسار في الأنظمة الغربية، مما قد يعزز تحالفات داخلية بين الديمقراطيين التقدميين والمعتدلين. بينما يعزز اعتقال مادورو من صورة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، لكنه يثير مخاوف من تصعيد التوترات مع حلفاء فنزويلا، مثل روسيا التي توفر دعماً عسكرياً، أو الصين التي تستثمر في النفط الفنزويلي.
التأثير على المصالح الجيوسياسية: نفط، استقرار، وتحالفاتتأثير الحدثين يمتد إلى المصالح الجيوسياسية العالمية. في نيويورك، قد يؤدي حكم مامداني إلى سياسات محلية تتعارض مع الإدارة الفيدرالية، مثل زيادة الضرائب على الأثرياء أو دعم المهاجرين، مما يعمق الانقسامات الداخلية الأمريكية ويؤثر على صورة الولايات المتحدة كقطب اقتصادي مستقر.
هذا قد يشجع حركات يسارية أخرى في أوروبا، مثل تلك في لندن تحت عمدة صادق خان، على تعزيز تحالفات عابرة للأطلنتي.
أما في فنزويلا، فإن اعتقال مادورو قد يفتح الباب لتغيير النظام، مما يعيد تشكيل سوق النفط العالمي. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكن إنتاجها انخفض بسبب العقوبات الأمريكية.
إذا نجحت حكومة انتقالية مدعومة أمريكياً، قد يزداد الإنتاج، مما يخفض أسعار النفط ويضعف نفوذ روسيا والصين في المنطقة. ومع ذلك، يثير هذا مخاوف من عدم استقرار، حيث قد يؤدي إلى احتجاجات أو تدخلات خارجية، مما يعزز التحالفات المناهضة لأمريكا في أمريكا اللاتينية، مثل تلك بين كوبا ونيكاراغوا.في النهاية، يُبرز هذان الحدثان تناقضات اليسار: واحد ينمو داخل النظام، والآخر يسقط أمام قواه. في عالم متعدد الأقطاب، قد يعيد هذا تشكيل التحالفات، حيث تسعى الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية بينما تواجه تحديات داخلية من يسارها المتعاظم. مع ذلك، يبقى السؤال: هل سيكون 2026 عاماً لإعادة توازن القوى، أم بداية لصراعات جديدة؟
Comments ( 0 )