ثلاث سنوات داخل المهنة: ماذا تكشف تجربة الصحفيين الشباب؟

ثلاث سنوات داخل المهنة: ماذا تكشف تجربة الصحفيين الشباب؟

 

 

 

بعد تفكيك الإطار النظري في المقالة الأولى، ننتقل هنا الى اختبار ذلك داخل الممارسة اليومية، من خلال تجارب بعض الصحفيين الشباب ونضع مقارنة مع دول اخرى. لكن لفهم عمق الأزمة التي تعيشها الصحافة المغربية،  لا يكفي الوقوف عند النصوص القانونية أو الخطابات المؤطرة للمهنة، بل يقتضي الأمر النزول إلى مستوى التجربة اليومية للفاعلين داخلها، خاصة الصحفيين الشباب الذين يشكلون العمود الفقري للممارسة الإعلامية اليوم. فهؤلاء لا يعكسون فقط واقع المهنة، بل يكشفون أيضًا حدود النموذج القائم، من خلال مساراتهم المهنية، وشروط اشتغالهم، والتحديات التي تواجههم منذ لحظة الدخول الأولى.

 

الدخول إلى المهنة: تدريب أم عمل مقنّع؟

تشير الممارسة الميدانية إلى أن الولوج إلى مهنة الصحافة في المغرب يتم غالبًا عبر بوابة “التدريب” ناهيك عن خريجي المعهد العالي للاعلام والاتصال، غير أن هذا المفهوم يطرح إشكالات متعددة على مستوى التطبيق. ففي العديد من الحالات، لا يكون التدريب مرحلة للتأطير واكتساب المهارات، بقدر ما يتحول إلى شكل غير معلن من أشكال العمل غير المؤدى عنه أو منخفض الأجر، حيث يُطلب من المتدرب القيام بمهام صحفية كاملة، من إعداد الروبورتاج إلى التصوير والنشر، دون تأطير فعلي أو مسار تكويني واضح. هذا الوضع يطرح تساؤلًا جوهريًا حول الحدود الفاصلة بين التكوين والاستغلال، خاصة في ظل غياب إطار قانوني دقيق ينظم وضعية المتدربين داخل المؤسسات الإعلامية، ويحدد حقوقهم وواجباتهم بشكل صريح.

 

غياب المسار المهني الواضح

بعد مرحلة الدخول، يواجه الصحفي الشاب إشكالًا آخر يتمثل في غياب رؤية واضحة لمساره المهني. فلا توجد في عدد من المؤسسات الإعلامية آليات محددة للترقي أو التدرج المهني، ولا معايير شفافة لتقييم الأداء، ما يجعل تطور الصحفي مرتبطًا في كثير من الأحيان بعوامل غير مهنية. ويؤدي هذا الغموض إلى حالة من عدم الاستقرار، حيث يجد هذا الصحفي نفسه يشتغل لسنوات دون آفاق واضحة، ولا ضمانات تمكنه من بناء مسار مهني مستقر، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جودة العمل وعلى استمرارية الكفاءات داخل القطاع أو تحولها لآداة للاسترزاق على حساب المهنة ما ساهم في ظهور ممارسات إعلامية قائمة على البحث عن العائد السريع على حساب الجودة المهنية. الأمر الذي أفقد الصحافة المغربية الحرة بريقها. في مقابل فاعلين مهنيين يواصلون الحفاظ على معايير الجودة رغم الإكراهات.

 

 

هشاشة العقود أو غيابها

من أبرز ما تكشفه تجربة بعض الصحفيين الشباب أيضًا، انتشار أنماط تشغيل تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القانونية. فعدد من الصحفيين يشتغلون دون عقود واضحة، أو بعقود لا تعكس طبيعة عملهم الفعلية، ما يحرمهم من الحقوق الأساسية، مثل التغطية الاجتماعية أو الاستقرار المهني. هذا الواقع لا يمكن فصله عن طبيعة النموذج الاقتصادي للمقاولات الإعلامية، الذي يعاني بدوره من إشكالات متعددة، غير أن انعكاسه المباشر يقع على الحلقة الأضعف، أي الصحفي، الذي يجد نفسه في مواجهة هشاشة مزدوجة: مهنية واجتماعية يقاوم إما من أجل البقاء أو فقدان الأمل و الانسحاب.

 

الخلط بين الصحفي والمنتج المتعدد المهام

في سياق التحولات الرقمية، أصبح من الشائع أن يُطلب من الصحفي القيام بعدة مهام في آن واحد، تشمل الكتابة، والتصوير، والمونتاج في بعض الاحيان، والنشر على المنصات الرقمية كذلك. ورغم أن تطوير المهارات المتعددة يعد أمرًا إيجابيًا في حد ذاته لتطوير كفاءات الصحفي وضرورة حتمية للإلمام بهذه الادوات ، غير أن الإشكال يكمن في غياب تنظيم واضح لهذه الأدوار، وفي تحميل الصحفي أعباء إضافية دون تعويض أو تأطير مناسب. ويؤدي هذا الخلط إلى تآكل التخصص، وإلى تحويل العمل الصحفي من ممارسة مهنية قائمة على الجودة والدقة، إلى نشاط سريع يخضع لمنطق الإنتاج الكمي، على حساب العمق والتحقق.

 

مقارنة: بين المسار المغربي ونماذج أخرى

عند مقارنة هذا الوضع مع بعض التجارب الدولية، مثل فرنسا أو إسبانيا أو تونس، يظهر أن الاختلاف لا يكمن فقط في الإمكانيات، بل في طريقة تنظيم الولوج إلى المهنة. ففي هذه النماذج، يتم تأطير مرحلة التدريب بشكل واضح، وتُربط غالبًا بعقود محددة، كما توجد مسارات مهنية أكثر استقرارًا، تتيح للصحفي التدرج داخل المؤسسة وفق معايير معلنة.

 

 

ولا يعني ذلك أن هذه التجارب خالية من الإشكالات، لكن وجود قواعد تنظيمية واضحة يساهم في الحد من الهشاشة، ويمنح الصحفي حدًا أدنى من الأمان المهني، وهو ما يفتقده جزء مهم من الصحفيين الشباب في المغرب.

 

الرسالة التحليلية تكشف تجربة السنوات الأولى داخل المهنة عن مفارقة أساسية: جيل جديد من الصحفيين يدخل المجال في سياق يتسم بارتفاع سقف التكوين والطموح، مقابل ضعف في شروط الاحتضان المهني. فبدل أن تشكل هذه المرحلة لحظة بناء وتراكم، تتحول في كثير من الأحيان إلى مرحلة اختبار صعب، يختبر قدرة الصحفي على الاستمرار في ظل الضروف القاسية والمستقبل المجهول أكثر مما يطور مهاراته.

 

وبذلك، لا تعكس هذه التجربة فقط صعوبات فردية، بل تشير إلى خلل بنيوي في طريقة إدماج الموارد البشرية داخل القطاع، حيث يُطلب من الصحفي الشاب أن يتأقلم مع الهشاشة، بدل أن يُدمج في بيئة مهنية مستقرة.

 

ما يمكن فعله غدًا

إصلاح وضعية الصحفيين الشباب لا يتطلب بالضرورة تغييرات معقدة، بل يمكن أن يبدأ بخطوات تنظيمية واضحة وقابلة للتطبيق. أول هذه الخطوات هو وضع تعريف قانوني دقيق لوضعية “المتدرب” داخل المؤسسات الإعلامية، يحدد مدتها وحقوقها وواجباتها، ويمنع تحولها إلى شكل من أشكال التشغيل غير المهيكل، وتحديد حقوق وواجبات الصحفي المهني من جهة أخرى.

 

 

كما تبرز ضرورة إقرار حد أدنى تعاقدي يضمن للصحفي في بداية مساره المهني حماية أساسية، سواء من حيث الأجر أو التغطية الاجتماعية او الوضعية الاعتبارية، بما يضع حدًا لحالات الاشتغال خارج أي إطار قانوني. ومن جهة أخرى، يقتضي تحسين شروط الولوج إلى المهنة اعتماد مسارات مهنية واضحة داخل المؤسسات الإعلامية، تقوم على التدرج، والتقييم، وربط المسؤوليات بالكفاءة، بدل تركها للاجتهادات غير المؤطرة.

 

وأخيرًا، فإن إعادة الاعتبار لدور الصحفي الشاب تمر أيضًا عبر تحديد المهام بشكل واقعي، بما يضمن التوازن بين تعدد الكفاءات المطلوبة، وضرورة الحفاظ على جودة العمل الصحفي وعدم تحويله إلى وظيفة استنزافية.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .