ثورة الاستثمار في المغرب: من التحديات إلى الفرص وسط مناخ اقتصادي عالمي مضطرب

ثورة الاستثمار في المغرب: من التحديات إلى الفرص وسط مناخ اقتصادي عالمي مضطرب

 

 

 

 

في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية الراهنة، بما في ذلك الحروب المستمرة، التوترات التجارية، وإغلاق بعض المضايق الاستراتيجية، يعيد المغرب ترتيب أوراقه الاقتصادية مستلهماً تجاربه السابقة بعد جائحة كوفيد-19. قبل خمس سنوات، أظهر الاقتصاد المغربي مرونة استثنائية في التعافي من آثار الجائحة، مدعوماً بجهود حكومية لجذب الاستثمارات ودعم الشركات الناشئة، خاصة في مجالات التقنية والخدمات. اليوم، مع استمرار الاضطرابات العالمية، يطرح السؤال من جديد: كيف يمكن للمغرب ضبط إيقاع تدفق الاستثمارات، ودعم المقاولات الناشئة، مع مواجهة الظواهر السلبية مثل “الفراقشية” والريع والمحسوبية؟ رغم التحديات، تبرز مؤشرات إيجابية حديثة، خاصة مع موسم زراعي واعد، تشير إلى نمو مستدام يزرع الأمل في خوض غمار المقاولة والاستثمار.

 

التجارب السابقة بإيجابياتها وسلبياتها ،لا تزال البرامج الحكومية في السنوات الأخيرة تصارع لدعم المقاولات، حملت نجاحات بارزة وإخفاقات ملحوظة.

 

برنامج “فرصة” (Forsa)، الذي أطلق في 2022، يبرز كمثال ناجح جزئياً. من إيجابياته: دعم أكثر من 21,000 مشروع حتى نهاية 2025، مما أدى إلى خلق حوالي 37,000 وظيفة مباشرة، مع مشاركة نسائية بلغت 44% في الدورة الثانية.

حقق البرنامج تغطية بنسبة 74%، متجاوزاً هدفه الأولي بـ10,000 مشروع سنوياً، وشمل تدريبات عبر الإنترنت وفترات حضانة للمشاريع الواعدة، مما عزز الثقافة المقاولية في المناطق الريفية والمدن الصغيرة حيث بلغت مشاركتها 60%.ومع ذلك، كشفت التقارير عن سلبيات كبيرة. في “فرصة”، أدى غياب المواكبة الفعالة والحاضنات المتخصصة إلى إحباط العديد من المقاولين، حيث استحوذت بعض الحاضنات على حصة الأسد من تمويل البرنامج دون فائدة ملموسة عند المقاولين الجدد.

 

كما سجلت حالات إفلاس وتسريح عمال في شركات ناشئة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفائدة في 2022-2023 لمواجهة التضخم. أما برنامج “إنطلاقة” فقد قدم قروضاً بلغت 6 مليار درهم حتى أبريل 2022، مساهماً في إنشاء 97,000 وظيفة. ومع ذلك، عانى من تفاوت مجالي في توزيع الدعم، مع تركيز أكبر على مدن مثل الدار البيضاء والرباط، تاركاً مناطق مثل درعة تافيلالت والشرق تعاني من بطالة عالية تصل إلى 13.3% في 2024.

 

هذه البرامج أبرزت أيضاً مشكلات أعمق مثل “الفراقشية” في توزيع الدعم الموجه للمواد الأساسية، والتي لا تزال تخضع للمساءلة، رغم خروج المغرب من المنطقة الرمادية لجذب الاستثمارات الأجنبية في 2023.

 

أشارت تقارير مجلس المنافسة في 2025 إلى استمرار الظواهر السلبية مثل الريع والمحسوبية، التي تعزز “اقتصاد الهوتة” كما وصفه عالم الاجتماع محمد جسوس. في أكتوبر 2025، أجرى المجلس أول غارة مفاجئة في الدار البيضاءةبعد تفعيل صلاحياته، مما أدى إلى 174 قراراً، بما في ذلك هزة في سوق الدفع الإلكتروني، لكن الفساد المؤشر عليه في تقارير منظمات دولية لا يزال يعيق التنافسية العادلة.

 

المؤشرات الجديدة: فرص نمو واعدة مدعومة بأرقام قوية.

 

رغم التحديات، يظهر الاقتصاد المغربي مؤشرات مشجعة في 2026. يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5%، مدفوعاً بموسم زراعي قوي.

 

بدأ الموسم الزراعي 2025-2026 بأمطار وفيرة منذ نوفمبر، مما حسّن احتياطيات المياه وأدى إلى نمو زراعي متوقع بنسبة 10.4%، مساهماً بنسبة 1.1% في النمو الإجمالي. زرع 100,000 هكتار من الخضروات الخريفية، مع إنتاج متوقع يبلغ 2.1 مليون طن، وهو زيادة 300,000 طن عن العام الماضي، مما يعزز الأمن الغذائي ويفتح أبواباً لمشاريع جديدة في الزراعة التقنية (AgriTech).

 

من ناحية الاستثمار، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 74.3% إلى 28.4 مليار درهم في 2025، مدفوعاً بقطاعات مثل الصناعة، العقارات، والسياحة.

 

في 2026، يستمر هذا الاتجاه مع استثمار حكومي بقيمة 1.3 مليار درهم لدعم 1,000 شركة ناشئة، ضمن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تهدف إلى خلق 240,000 وظيفة رقمية وتدريب 100,000 شاب سنوياً.

 

القطاعات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي، التمويل الرقمي (FinTech)، والطاقة المتجددة تشهد نمواً، مع أول شركة ناشئة بلغت قيمتها 100 مليون دولار في 2022، وتوقعات بجذب 2 مليار درهم في تمويل مخاطر بحلول 2026.

 

كما يدعم الاستعداد لكأس العالم 2030 الاستثمارات في البنية التحتية، مثل توسيع الموانئ والطرق، مما يعزز المغرب كبوابة لأفريقيا. خلق الاقتصاد 193,000 وظيفة صافية في 2025، مع 123,000 في قطاع الخدمات.

 

من ناحية أخرى ينتصر من الفاعلين اتخاذه إجراءات واحتياطات لنجاح مستدام، لتحقيق نمو مستدام، يجب على الحكومة والمقاولين اتخاذ إجراءات مدروسة. أولاً، تعزيز الشفافية في البرامج الحكومية من خلال رقابة أفضل وتوزيع عادل جغرافياً، مع التركيز على التدريب المستمر لبناء ثقافة مقاولية حقيقية. يُنصح بإنشاء حاضنات متخصصة في التقنية والزراعة لتجنب الفشل المبكر، كما حدث في بعض الحالات السابقة.بالنسبة للمقاولين، ينصب التركيز اليوم على الابتكار في قطاعات واعدة مثل AgriTech والطاقة الخضراء، مع إجراء دراسات جدوى شاملة لمواجهة مخاطر التضخم والجفاف.

 

الاحتياطات تشمل تنويع التمويل عبر شراكات دولية، وتجنب الاعتماد الكلي على الدعم الحكومي، مع الالتزام بمعايير المنافسة العادلة لمكافحة الفساد. كما يُفضل البدء بمشاريع صغيرة لاختبار السوق، مع الاستفادة من السياق الزراعي الإيجابي لدمج التكنولوجيا في الإنتاج.

 

الصورة الأكبر:

 

يمثل السياق الحالي فرصة ذهبية لإعادة ترتيب الأوراق، مع التركيز على الابتكار والحذر. رغم التحديات، فإن المؤشرات الإيجابية في الزراعة والاستثمار الرقمي تزرع الأمل في مستقبل مقاولي يدفع المغرب نحو نمو مستدام، شريطة اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لتجنب الأسوأ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .