خلل قياس تجربة التعلم بين كثرة التقويم و تباث النتائج ..
لنتذكّر تلك الأيام الذهبية على مقاعد الدراسة! هل كنت ذلك التلميذ المتألق الذي يتوهج شغفًا، أم مجرد كائن مسكين غارق خلف صف الطاولات وسط جداريات باهتة تشبه وجهك من فرط الإرهاق، تدرس مع أبناء الأغنياء و ابن رئيس جمعية الآباء أو عبد الحق بن الخضّار، تركض كالمجنون مع المطبوعات خلف الاختبار، تحت سماء تمطر بحوثًا وعروضًا تقديمية لا تتوقف؟
التعليم اليوم – يا له من تحفة!
منذ الابتدائية، تجد أولياء الأمور في حالة هوس هستيري بدرجات أبنائهم، كأنها مباراة ملاكمة لإثبات أن زوقال أذكى من بوقال. ويا للعجب، أطفال اليوم يقرؤون كأن الحروف تتشاجر على الصفحة، اي تقويم للقراءة وإملاؤهم يبكي دموعًا حمراء، لكن معدلاتهم؟ امتياز يا برادة، امتياز بكل أريحية!
وتستمر الامهات في التكدس أمام أبواب الحراسة حتى مقاعد البكالويا ، حيث الطلاب منهارون من كثرة الجري في سباق لا نهائي للحاق بالأوائل، بل والتفوق عليهم، فقط ليصطدموا بجدار المعدل المثالي. وفي خضم هذا العبث، يُذبح الفضول بسكين باردة! من لديه الوقت للتساؤل أو التفكير العميق وهو يصارع لانتزاع درجة كاملة في اختبارات تتكاثر كالأرانب؟ طبعًا، سيصبح الحفظ الآلي هو البطل، والبحث والنقد؟ مجرد ضحايا منسيين في هذه المنزلة. وهكذا، ببراعة مدهشة، تتحول عقول الطلاب إلى آلات تكرر ولا تفكر. أمرٌ تافه، أليس كذلك؟ لكن مهلًا، إنه واقعنا العظيم الذي يستحق كل الاهتمام، فهذه ليست مجرد سخرية، بل مأساة تعليمية تُروى بضحكة مُرة! وسط إتفاق صامت : العلم لا ينفع.
المُصاب..هو التلميذ!
حين يتحول التلميذ لآلة، فإنه يفقد أبسط مقومات إنسانيته، فيضيع نفسه، ولا يعرف ما يحب ويكره، وينسى فضوله وشغفه، وترتبط قيمته بمعدله، فمن سيصدق انك ذكي(ة) لو كان معدلك متدنيًا؟ وكيف ستعثر على وظيفتك الأولى وسط هذه الجيوش لو ركزت على ما تود تعلمه وأبحرت به؟ وهكذا يصبح لديك جيش من المستنسخين الآليين، ونعلن موت أصالة الفرد.
في هذا الإطار كشفت دراسة بحثية تحدثت عن كيفية تأثير الاهتمام المفرط بالحصول على درجات عالية في العملية التعليمية وتجربة الطلاب أثناء التعلم. الدراسة أوضحت أن الطلاب الذين يضعون جل تركيزهم على تحقيق الأداء الأكاديمي المتميز، أي الحصول على علامات مرتفعة في الامتحانات والاختبارات، يبدأون برؤية أنفسهم بطريقة مختلفة تمامًا. بمعنى آخر، هم لا يرون أنفسهم كأشخاص يتعلمون من أجل اكتساب المعرفة أو الاستمتاع بالعملية التعليمية، بل ينظرون إلى أنفسهم كأدوات أو وسائل تهدف فقط إلى تحقيق النجاح المتمثل في الدرجات. هذا النوع من التفكير يؤدي إلى نتائج سلبية، حيث يقلل من الحماس الداخلي والشغف الذي قد يشعر به الطلاب تجاه التعلم بحد ذاته، ويجعلهم يشعرون بأنهم أقل ارتباطًا بأنفسهم الحقيقية، أو بمعنى آخر، يفقدون جزءًا من إحساسهم بـ”الأصالة” الشخصية.
الدراسة نفسها لم تكن مجرد ملاحظات عامة، بل اعتمدت على ست تجارب أو دراسات فرعية تم إجراؤها بعناية، وشملت مجموعات مختلفة من الطلاب من دولتين مختلفتين هما الصين والمملكة المتحدة. الهدف من اختيار هذين البلدين ربما كان لتوفير تنوع ثقافي يعزز مصداقية النتائج. النتائج التي توصلت إليها هذه التجارب أظهرت بوضوح أن هناك علاقة بين التركيز الزائد على الدرجات وبين زيادة ما يُسمى بـ”التشييء”، وهو مصطلح يعني أن الطلاب يبدأون في الشعور بأنفسهم كأشياء أو كيانات ميكانيكية بدلاً من كونهم أفرادًا لهم مشاعر وأفكار مستقلة. بالإضافة إلى ذلك، تبين أن هذا التركيز يرتبط أيضًا بانخفاض ملحوظ في شعور الطلاب بالأصالة، أي إحساسهم بأنهم يعيشون حياة تتماشى مع قيمهم وشخصياتهم الحقيقية. في المقابل، الطلاب الذين اختاروا أن يركزوا على فهم المادة العلمية واكتساب المعرفة من أجل التعلم نفسه، وليس من أجل الدرجات فقط، لم يظهروا هذه المشكلات بنفس الدرجة، بل بدوا أكثر ارتباطًا بذواتهم وأقل تأثرًا بهذا الشعور بالتشييء.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الدراسة خلصت إلى نتيجة منطقية ومباشرة: كلما زاد اهتمام الطلاب وتركيزهم على تحقيق الدرجات العالية كأولوية رئيسية في حياتهم الأكاديمية، كلما ازداد شعورهم بأنهم مجرد “آلات تعلم”، أي أشخاص يعملون بشكل آلي دون شغف أو متعة حقيقية، وكلما ابتعدوا عن الشعور بأنفسهم كأفراد أصليين لهم هوية خاصة وذاتية. هذا الانفصال عن الذات الحقيقية يجعل تجربة التعلم أقل إنسانية وأكثر ميكانيكية، مما قد يؤثر سلبًا على رفاهيتهم النفسية على المدى الطويل.
Comments ( 0 )