دور الصحافة والفلسفة في إعادة بناء المجتمعات: لقاء في آسفي مع الفيلسوف البلجيكي Gwenaël laurent
في عالم تتسارع فيه وثيرة التغييرات كما يحصل خلال هذا الأسبوع في آسفي، حيث اندلعت الكارثة الطبيعية والاجتماعية بلا هوادة، يبرز دور الصحافة كأداة أساسية ليس فقط لتوثيق الأحداث، بل للبحث عن الحلول وإعادة تشكيل الوعي الجماعي.
صحافة الحلول، التي تُطور من ممارستها منذ سنوات، تتجاوز الوصف السطحي للمشكلات إلى اقتراح بدائل عملية، فهي مستوحاة من قصص نجاح حقيقية. هي ليست مجرد نقل أخبار، بل هي دعوة للتفكير النقدي والعمل الجماعي، حيث يلتقي الواقع بالأمل. أما الفلسفة، فهي الشريك الطبيعي لهذه الصحافة؛ لأنها لا تبخل في تقديم أدوات لفهم الجذور العميقة للمشكلات، مثل طبيعة الإنسان، المجتمع، والتكنولوجيا. الفلسفة لا تقتصر على التأمل النظري، بل تساعد في إعادة صياغة المفاهيم المشوهة التي تطبع تفكيرنا اليومي، خاصة في ظل سيطرة الرأسمالية المتوحشة والذكاء الاصطناعي الذي يغير وجه الحياة.
على هامش النكبة التي ضربت مدينة آسفي المغربية – تلك الكارثة التي خلفت جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ربما هي إشارة أخرى إلى الزلازل المدمرة أو الآثار المستمرة للكوارث الطبيعية – كنت هناك أغطي الأحداث كصحفي ملتزم بالعمل الميداني. آسفي، هذه المدينة الساحلية، ليست مجرد ضحية للكوارث؛ إنها جوهرة تاريخية تحمل عبق حضارات متعددة. منذ العصور القديمة، كانت آسفي ملتقى للفينيقيين والقرطاجيين والرومان، ثم شهدت ازدهاراً إسلامياً تحت حكم المرابطين والسعديين. هي حاضرة المحيط، كما يصفها المؤرخون، حيث تعاقبت الثقافات والأفكار التي ازدهرت في العصر الوسيط، مما جعلها مركزاً للحوار العلمي والفكري. في تاريخها العريق، برز علماء وفلاسفة مغاربة ساهموا في الفكر الإسلامي، مثل محمد بن حدو الأسفي، السفير المحنك الذي وثق رحلاته، و العلماء الذين شهدوا بصلاح سكانها ومكارم أخلاقهم. تبرز كتب مثل “الجواهر الصفية في تاريخ الديار الآسفية” الذي روى كيف كانت آسفي مصدراً للفكر العقلي الأول في المغرب، مع تراث يمتد إلى العصور الوسطى، حيث كانت موانئها بوابة للمعرفة العالمية. اليوم، رغم التهميش والتلوث والبطالة اللذين اثقلو كاهلها، تبقى آسفي دائما رمزاً للصمود الفكري، مدينة تنهض كل مرة من تحث الأنقاد لتنسج لنا قصصاً من التنوع الثقافي والتأمل في مصير الإنسان.في أثناء تغطيتي لهذه النكبة، التقيت بأحد الأجانب الذين جاؤوا لمساعدة و استكشاف المنطقة، لأكتشف أنه الفيلسوف البلجيكي غوينايل لوران، الباحث في خبايا الفلسفة والمواضيع المعاصرة مثل سيطرة الماديات على الإنسان الحداثي في النظام الرأسمالي المتوحش، وصولاً إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على الوعي البشري. Gwenaël، الذي يدرس في جامعة لوفان وله موقع إلكتروني يعرض أعماله الفلسفية والشعرية، كان يجول في المدينة بحثاً عن روابط بين التاريخ والحاضر. قضينا يوماً كاملاً في نقاشات عميقة، على هامش اهتماماتنا المشتركة، هو من منظور فلسفي يسعى لإعادة تشكيل المفاهيم والتشوهات في التفكير، وأنا من منظور صحفي يبحث عن حلول عملية. تحدثنا عن المجتمع في ظل الكوارث، وعن الحب كقوة لإعادة بناء، وتبادلنا أسئلة فلسفية مثل “ما هي طبيعة الوعي؟” مع أسئلة صحفية مثل “كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في التعافي؟”. كان حواراً شيقاً، انتقل بين مقهى تقليدي ومطعم محلي بشارع محمد بن ناصر، عبر شوارع آسفي التي روت لنا قصصاً من الماضي، تلك المتعلقة بالاحتلال البرتغالي و الرحلات العلمية الشهيرة عبر المحيط على قارب فرعوني نحو أمريكا .
انتهى لقاؤنا باتفاق مثمر لمواصلة العمل عن بعد، من خلال نشر مقالات مشتركة في جريدة المنظور بريس، خاصة بعد إعجابه بمقالات سابقة تناولت الفكر والفلسفة. و من هنا على هذه الصفحات، سنقدم لكم في هذه المقالة ترجمة لنص فلسفي مهم من أعمال Gwenaël الفيلسوف، بعنوان “الذكاء الاصطناعي: حجر مُفكر أم حجر الفلاسفة؟”، المقال الذي يستلهم من أطروحته في الدكتوراه. سنحاول من خلاله ان نبني تحليلاً مطولاً، لنربطه بالواقع المغربي، أرض اللقاء حيث يلتقي التاريخ بالتكنولوجيا المعاصرة.
النص الأصلي بالفرنسية، مُترجم الى العربية لجعله متاحاً للقراء العرب، ندرك ان الترجمة الفلسفية هنا أمر صعب، لكننا حاولنا ما أمكن التوسع في الأفكار لربطها بنقد بناء للذكاء الاصطناعي و الكشف، أهو أداة للحلول أو أداة للخداع.
الذكاء الاصطناعي: حجر مفكر أم حجر الفلاسفة؟
بقلم Gwenaël laurent الفيلسوف.
لا تمر سنة دون أن تثير شخصية بارزة في عالم التكنولوجيا، مصابة بفكرة مذهلة، ضجة إعلامية.
“يوريكا!” يكتبون عن رقائق إلكترونية جديدة، “الوعي كان يوماً!” يهتفون لأداء الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي التوليدي. هم “أرخميدس” هذا الزمان في الذكاء الاصطناعي، يدعون غالباً أنهم أعطوا الحياة لآلة قادرة على التفكير و الشعور و العطف و الإبداع.
رغم الحماس الذي تثيره هذه التصريحات، فإن الادعاءات الميتافيزيقية حول الآلة غالباً ما تشبه خدعة فكرية ذكية. لم يكن هناك حيز زمني للٕانتظار حتى نُقِر بهذا، أمام موكب من روبوتات الدردشة على طريقة “ترميناتور”، لرؤية مثل هذه الادعاءات تولد.
ربما تتذكرون الميكانيكي التركي، الآلة التي بناها يوهان فولفغانغ فون كمبلن في عام 1770؟ هذا الآلي المصنوع من كابلات وتروس، على صورة رجل تركي مُلتف بعمامة، و اللّذي أثار ضجة. كان يُرى يلعب الشطرنج – ويفوز غالباً – ضد شخصيات مشهورة و ذكية، بما في ذلك نابليون بونابرت، كاترين الثانية من روسيا، أو بنجامين فرانكلين. ما كان الجمهور يعرفه هو أنه إنسان من لحم ودم كان مخفياً داخلها. كان يُحرك الأذرع، اليدين، الأصابع للآلي عبر نظام ذكي من الحبال.بناءً على هذا المثال المُضحك، أصبح من المشروع اليوم التساؤل عمّا إذا كانت الخوارزميات، التي يُنسب إليها الخيال أو الإبداع أو الذوق الجمالي، ألا تخفي هي أيضاً يد خفية للذكاء البشري؟
خلف اللوحات الرومانسية لـDall-E أو Midjourney، السيمفونيات الباروكية لـAiva، والقصائد البارناسية لـChatGPT-4، ألا نجد تجميعاً إحصائياً لملايين الإنتاجات الفنية؟
أينما نلتفِت، نجد أنفسنا محاصرين بين الإعجاب المشروع تماماً الذي يثيره الإنجاز الإحصائي الثوري للذكاء الاصطناعي؛ والإحباط أمام النقص الواضح في الفهم الحقيقي الذي تُظهره الآلة !
بعبارة أخرى، يبدو أن الفجوة تتسع بين الإنجازات التقنية للذكاء الاصطناعي وفهمنا السطحي نسبياً لعملية التفكير البشري.
من منظور فلسفي، يُطرح السؤال ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، أهي طريقة مريحة للتساؤل عما هو “التفكير”، “الوعي”، و”الذكاء”؟
في غياب تقديم إجابة على هذه الأسرار الأساسية – ربما الغير قابلة للحل بالأساس – يُخاطر معاصرونا بأخذ افتراضين مزدوجين كمسلمات: الأول ذلك الذي يقول إن الدماغ يعمل كحاسوب متطور، و الثاني ذلك الذي يقول إن الحياة الذهنية تُنتج بالكامل من الدماغ البيولوجي. تحت هذه الفرضيات، التي تبدو معقولة للوهلة الأولى لكنها ليست بالضرورة واضحة، فإن أي تطور في الحوسبة سيجعلنا أقرب إلى فهم عصبي بيولوجي أفضل للعقل البشري؛ بحيث أن المنهجية السائدة حالياً في الذكاء الاصطناعي ستنتهي بتجاوز النهج الفريدة للعصبيات البيولوجية والنفسية.
المؤتمر الأول حول الذكاء الاصطناعي، الذي عقد في دارتموث عام 1956، افترض أن “كل جوانب التعلم والأبعاد الأخرى للذكاء في المبدأ، يمكن وصفها بدقة بحيث يمكن للحاسوب محاكاتها”. أجمع الباحثون مثل كلود شانون أو هربرت سيمون أن البيان الرسمي قدم نوعاً من البيان الذي يسبق بالتأكيد التطور الحالي للانضباط. سيتم محاولة اكتشاف كيفية جعل الآلات تستخدم اللغة، تُشكِل التجريدات والمفاهيم، تحُل أنواع المشكلات المحجوزة حالياً للبشر، وتُحسِن نفسها.هذه الفكرة التي تقول إن العقل البشري يعمل كحاسوب هي ما أسميه الاختزال إلى الحساب (الاختزال ad computatum). في الحالة الحالية، إنها مجرد فرضية منهجية. رغم أنها تجد صدى معيناً لدى الجمهور على ما يبدو، إلا أنها لا تعتمد على حجج نهائية. في أطروحتي لنيل الدكتوراه و المتاحة على صفحتي الإلكترونية، عرضت عدداً من المشكلات التي قد تواجهنا في هذا الموقف الفلسفي، إذا لم يتم استجوابه بما فيه الكفاية.لنقد الاختزال ad computatum، يجب أولاً فهم ما تستطيع الخوارزميات المعاصرة فِعله، للتأكيد، في خطوة ثانية، على ما لا تستطيع فِعله بعد.
نقطة البداية لهذا العمل ستكون إذن الاعتراف بقدرتين لا جدال فيهما للذكاء الاصطناعي، وهما القدرة على التحليل والقدرة على تركيب المعلومات. ماذا أقصد بالضبط؟التحليل، في جوهره، يتكون من التفكير المنطقي. انطلاقاً من عدد من الافتراضات، يتعلق الأمر بإجراء استنتاجات و الإرتقاء، خطوة بخطوة، نحو استنتاج. أليس هذا ما كان يفعله بالفعل، في جوهره، أول آلة حاسبة لبليز باسكال؟ إذا التزمنا بالنتائج، هناك بالتأكيد شيء في الخوارزميات يشبه – ويَتجاوز غالباً – التفكير البشري.أما التركيب، فهو يتكون من تلخيص المعلومات واستخراج شيء جديد منها. يشمل حركة مزدوجة. الأولى، الطاردة، و تتكون من التبسيط التقليل و الٕاختصار. الحركة الثانية، الجاذبة، تتكون من الدمج و الجمع و التهجين. أليس هذا ما يفعله ChatGPT عندما يلخص محتوى نص؟ ألن يكون غير صادق فكرياً رفض الاعتراف لشبكات الخلايا العصبية لدينا ببعض أشكال الإبداع، التشعبات، والتوليد؟السؤال الأساسي الذي نطرح، هو ما إذا كانت النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي، خارج قدراتها على التحليل والتركيب، أهي قادرة على الحكم. الحكم هو، في الواقع، قُدرة أظهر الإنسان قُدرَته عليها. إنها القُدرة على تعميم وتجريد المعلومات بحيث يُميز الصحيح من الخاطئ، يَتداول ويأخذ قراراً مُدعماً جيداً. إنه نقطة الوصل بين التحليل والتركيب، بين التفكير والتجربة. إنه الرابط للتفكير، الدعامة التي تسمح لساق التحليل وزهرة التركيب بالنمو معاً، الٕاتحاد، السعي معاً نحو الحقيقة. [1]
[1] الترجمة بتصرف alMandour.tv
![]()
منظور أوسع:
من فلسفة لوران إلى الحلول في عصر الذكاء الاصطناعي، في هذا النص، يقدم Gwenaël laurent نقداً فلسفياً عميقاً للادعاءات حول الذكاء الاصطناعي، مستلهماً أمثلة تاريخية مثل التركي الميكانيكي ليكشف عن “الخدعة” وراء الآلات. أما في سياق آسفي، حيث يلتقي التاريخ بالكوارث المعاصرة، يمكننا ربط أفكاره بدور التكنولوجيا في التعافي. و نطرح السؤال هنا، هل يمكن للذكاء الاصطناعي “الحكم” على حلول لإعادة بناء المدن المنكوبة، أم أنه مجرد أداة إحصائية تعتمد على بيانات بشرية؟ في نقاشنا، ربطنا هذا بالرأسمالية المتوحشة، التي تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة استهلاكية، بدلاً من أداة تحررية.من منظورنا يدعونا Laurent إلى عدم الوقوع في فخ “الاختزال إلى الحساب”، بل الجمع بين التحليل (المنطقي) والتركيب (الإبداعي) مع الحكم (الأخلاقي). في المغرب، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الكوارث، لكن الحكم يبقى بشرياً، كما في مشاريع إعادة الإعمار في آسفي. هذا النص يذكرنا بأن الفلسفة والصحافة يجب أن تتعاون لكشف الوهم، وبناء مجتمعات أكثر وعياً. سنستمر في نشر مثل هذه المقالات لتعزيز الحوار بين الفكر والعمل.
Comments ( 0 )