صراخ و بكاء درامي على مائدة الإفطار : عند من التيليكوموند
اخترنا خفض الصوت لتتخيّلوا المشهد ..الساعة السابعة مساءً، الطاولة ممدودة، التمر والحريرة والشباكية و الشرك سخون، والأسرة تجلس في صمت مقدس… ثم ينفجر صندوق العجب!
ليس أذان المغرب، بل بداية الحلقة الرمضانية على قنوات القطب العمومي. فجأة، ترتفع الأصوات كأنّ أحداً فتح محرك دراجة C50 داخل الصالون. أمّ تفرك عينيها من شدّة الصراخ، أب يمدّ يده نحو التيليكوماند كأنه يطارد ذبابة، والأطفال يبدأون في البكاء… ليس من الحزن، بل من الضجيج!ما إن تنتهي المسلسلات التركية (التي سبق أن تبرّأ منها الوزير الوصي أمام البرلمان بكل وقار)، حتى تنطلق السيتكومات التهريجية بعد الإشهارات المزعجة. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية ..دراما تخلفت عن دورها، لا تملك سيناريو، ولا شخصيات، ولا حتى قصة إنسانية بسيطة تشبه معيشنا اليومي… تملك فقط صوتاً! صوتاً يصرخ، يعوّل، يبكي، يقهقه، يصفع، يرقص… كل شيء إلا أن يحكي.
لماذا يصرخون هكذا؟
الجواب بسيط ومُرّ ..و يمر مرور الكرام على من أشّر للمرور ..لأن السيناريو ضعيف إلى درجة أنّ الممثل لو تكلّم بصوت عادي لما فهمت ما يريد قوله.
فالكاتب يعرف أنّ الحوار لا يستحق أن يُسمع، فيقول للممثل ..«ارفع صوتك يا ولدي، بكي آ بنتي خلّي الجيران يسمعوا الغضب!» والمخرج يضيف: «زيد شوية عويل، الناس عدنا عزيز عليها لي يبكي و يفيق بكري». أما المنتج مول حصة الأسد من الدعم فيهمس: «Augmentez le volume au mixage ; même si la scène est vide, le spectateur doit sentir qu’il se passe quelque chose!»فيصبح الصراخ والعويل والقهقهات المفتعلة الوسيلة الوحيدة للتغطية على الفراغ الفني.
لا عمق نفسي، لا بناء درامي، لا إيقاع… فقط «صوت عالي = دراما عالية». وكأنّ المشاهد المغربي أبله لا يفهم إلا إذا صاح في وجهه.والمتلقي… يا ليتكم ترونه!
مشتت بين الهاتف والمطبخ والطاولة. يراقب الإنستغرام بيد، ويقلّب الحريرة باليد الثانية، ثم تأتي ساعة الإفطار فتصبح مهمّته الوحيدة ..البحث عن التيليكوماند كأنه يبحث عن كنز مفقود. يضغط (ميوت) بسرعة البرق قبل أن تنفجر الإشهارات أو تبدأ الممثلة في الصراخ الذي يهزّ الجدران. وفي النهاية يجلس الجميع… صامتين. يأكلون في صمت، ويتابعون في صمت بارد، ويضحكون في صمت… لأن الصوت الوحيد الذي يريدونه هو صوت بسم الله و الحمد لله.
التساؤلات التي لا بدّ منها ..هل أصبحنا فعلاً نستحق هذا المستوى؟
أم أنّ تدنّي الذوق الفني لدى الجمهور هو الذي يطلب هذا النوع من (الفن)؟
الدائرة مغلقة. القنوات تقدّم دراما صاخبة لأن الناس تحبها، والناس تحبها لأنها لا تعرف غيرها. فكلما زاد الصراخ انخفض الذوق، وكلما انخفض الذوق زاد الصراخ. دورة جهنمية يدور فيها المغربي و الرمضاني كل سنة.
والنتيجة؟ ..جيل كامل يعتقد أنّ الدراما = صراخ، والحزن = عويل، والفرح = قهقهة مفتعلة بصوت 120 ديسبل. أما السيناريو المحبوك والقصة الإنسانية الهادئة فأصبحت… رفاهية أجنبية لا تناسب ذوقنا الشعبي.
أيها القائمون على القطب العمومي ..خفّفوا الصوت قليلاً، وارفعوا مستوى الكتابة كثيراً.
ويا راسي رأس المحاين: ارفع ريموت الـ«ميوت»… وارفع معه ذوقك.
لأن إفطارنا يستحق أن يكون لحظة هدوء ومتعة، لا ميدان حروب صوتية ينتهي بصداع قبل صلاة التراويح.
رمضان كريم… وبالصوت المنخفض.
Comments ( 0 )