ضعف التعاون في أقسام التحرير يُفاقم هشاشة دعائم الديمقراطية
في السياق الحالي للسلطة الرابعة في المغرب، حيث بدأت تتشكل ملامح أزمة تهدد مصداقية مهنة الصحافة عند المُتلقي، و باتت الساحة الصحفية تشهد على طوابير من الصحفيين يتبادلون الاتهامات بالسب والقذف خارج الإطار، مستغلين في ذلك الإنتشار الواسع لمنصات التواصل التي تعمل حتى الآن دون ضوابط قانونية، مما أضعف الثقة في العمل الصحفي.
هذا الوضع يتناقض مع جوهر المهنة الذي يفترض التعاون داخل أقسام التحرير لتقديم محتوى مهني يعكس قضايا المجتمع بعمق وموضوعية.
لكن بدلاً من ذلك، انحرف بعض “الصحفيين” نحو التنصيب الذاتي كوسيلة للاسترزاق بخطبهم الشعبوية، ما أدى إلى تسطيح المواضيع المجتمعية و العمل السياسي في ظل سيادة الشعبوية التي بدأت تنخر في أحد أهم أعمدة الديمقراطية المغربية. هذا التدهور أثر سلبًا على تخليق الرأي العام و تنويره، بل وصل إلى حد تضليله، مما تسبب في الإضرار بسمعة بعض المؤسسات الدستورية وخلق حالة من التشويش لدى المواطنين الذين تم تضليلهم عن المشهد الرئيسي الذي يُرتقب أن ترسمه الانتخابات القادمة. وهكذا، تتراجع الصحافة، التي تُعدّ ركيزة أساسية للديمقراطية الناشئة في المغرب، عن دورها المنشود.
في كثير من المؤسسات الصحفية، لا يكمن التحدي في نقص الكفاءات أو الموارد كحالنا في صحافة الحلول، بل في غياب التعاون السلس بين الفرق و زملاء المهنة. تشير دراسات إلى أن العزلة التنظيمية، أي ضعف التواصل بين الأقسام و الزملاء، تُعدّ العائق الأبرز أمام تحسين جودة العمل الصحفي. على سبيل المثال، أظهرت إحصاءات عالمية أن نسبة كبيرة من فشل التعاون تعود إلى هذه المشكلة، وهو ما ينطبق على الواقع المغربي الحالي حيث باتت الانقسامات تعيق الإنتاج الصحفي لصالح عقليات التنصيب الذاتي( أنا لوحدي مضوي البلاد).
تتفاقم العزلة التنظيمية في المؤسسات الصحفية المغربية بسبب ضعف التنسيق بين الفرق، مما يقلص الكفاءة ويعرقل صناعة المحتوى المتكامل. ورغم أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، فإن تأثيرها يتزايد في بيئة تعتمد على السرعة والمصداقية. فقد أظهرت تجارب دولية أن غالبية القائمين على المؤسسات يدركون وجود هذه العزلة وتأثيرها السلبي على الأداء، وهو ما يعكس حاجتنا اليوم إلى معالجة هذا الخلل لاستعادة ثقة الجمهور.
لحل هذه الأزمة – أو على الأقل كجزء من الحل – يمكن للمؤسسات الصحفية المغربية اعتماد خطوات رئيسية يمكن أن تكون ذات أولوية. أولاً، توحيد الأهداف بين الأقسام و الوظائف الصحفية من خلال رؤية مشتركة تحددها الإدارات التحريرية، لضمان تقديم محتوى يخدم الصالح العام بدلاً من المصالح الفردية. ثانيًا، تعزيز قنوات التواصل عبر تشكيل فرق متعددة التخصصات تشمل المحررين والمصورين والمحللين، لتقليل الفجوات وتشجيع تبادل الأفكار. ثالثًا، خلق بيئة آمنة لمشاركة المعلومات و احترام خصوصية المؤسسات، حيث تُشجع الشفافية ويُكافأ التعاون بدلاً من الانفراد بالعمل، مما يعيد الثقة بين الصحفيين ويعزز جودة الإنتاج.
إن في العزلة التنظيمية التي تعيشها الصحافة المغربية و اخلاقياتها أعراض عدة ليست نتاج سبب واحد، بل تراكم عوامل متشابكة تحتاج إلى حلول جذرية. تبدأ بتخليق المهنة، الحلول المؤقتة قد تخفف الضرر، لكن استعادة مكانة الصحافة كدعامة للديمقراطية تتطلب معالجة الأسباب العميقة بجرأة و حيادية، لضمان تقديم عمل صحفي يساهم في تنوير الرأي العام بدلاً من تضليله.
فأثر الشعبوية على الصحافة أصبح يتجلى بشكل واضح في تحويل الخطاب الصحفي من أداة للتنوير والتحليل العميق إلى وسيلة لجذب الانتباه واستمالة الجماهير عبر تبسيط القضايا المعقدة وتسطيحها و شخصنتها. الشعبوية، بطبيعتها، تعتمد على استغلال العواطف والمخاوف الشعبية بدلاً من تقديم الحقائق أو تعزيز الحوار الرصين، مما يدفع بعض الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى الانجراف نحو خطابات مبالغ فيها أو مثيرة للجدل لضمان التفاعل السريع وزيادة الانتشار.
و في هذا السياق، تتحول الصحافة من مهمتها الأساسية كحارسة للحقيقة وداعمة للنقاش العام إلى أداة تروج للاستقطاب والانقسامات الاجتماعية. على سبيل المثال، يميل الخطاب الشعبوي إلى التركيز على عناوين صادمة و مثيرة أو قصص فردية مبالغ فيها، متجاهلاً السياقات الأوسع أو الحلول البناءة، مما يضعف مصداقية المهنة. كما أن الضغط المتزايد لتحقيق نسب مشاهدة عالية في عصر الإعلام الرقمي يدفع الصحفيين إلى تقديم محتوى يتماشى مع توجهات الجمهور الشعبية بدلاً من تحديها أو تثقيفها.
علاوة على ذلك، فقد اصبحت الشعبوية اليوم تعمل بأجر في تعميق العزلة التنظيمية داخل المؤسسات الصحفية، حيث أصبح التنافس الفردي على الأضواء أكثر أهمية من العمل الجماعي الذي يفترض أن ينتج تقارير متوازنة ومتماسكة. هذا الانحراف يؤدي اليوم إلى تآكل ثقة الجمهور بالصحافة و ينخر في باقي أعمدة الديمقراطية التي ليست احسن حال من السلطة الرابعة، إذ يرى فيها بعض الأعمدة الأخرى مجرد منصة للترويج لأجندات ضيقة بدلاً من صوت يعبر عن هموم الشعب الحقيقية.
منظور أوسع:
تعزيز التعاون داخل أقسام التحرير هو لتقديم محتوى يقاوم الشعبوية ويحافظ على المصداقية كركيزة للديمقراطية عكس الذلقراطية و الخضوع التي وصف بها المفكر المغربي المهدي المنجرة فترة من تاريخنا الحديث .
Comments ( 0 )