غربة الأخلاق في عصر السرعة و رحلة استعادة القيم

غربة الأخلاق في عصر السرعة و رحلة استعادة القيم

 

 

 

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتشابك التكنولوجيا مع كل جانب من جوانب الوجود، تبدو الأخلاق كغريبة في وطنها. لقد أصبحت القيم الأخلاقية، التي كانت يومًا ركيزة المجتمعات، تتراجع أمام الحروب المادية، الفردية، والاستهلاك السريع. في هذا العصر، حيث يُقاس النجاح غالبًا بالثروة أو الشهرة العابرة، يواجه الفرد تحديات جمّة للحفاظ على هويته الأخلاقية. فكيف وصلنا إلى هذه الغربة؟ وكيف يمكن استعادة الأخلاق؟ وما الذي يكسبه الإنسان من التزامه بها؟

 

غربة الأخلاق ليست ظاهرة عشوائية، بل نتيجة رواسب متراكمة. أولها تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غالبًا ما تروج لقيم سطحية مثل المظهر والشهرة على حساب الصدق والنزاهة. العولمة، أيضا، أدت إلى تصادم الثقافات وتضارب القيم، مما جعل البعض يشعر بالضياع بين الأصيل والعصري. الضغوط الاقتصادية، بدورها، تدفع أفرادًا للتضحية بمبادئهم سعيًا وراء مكاسب سريعة. هذه العوامل تجلت في مظاهر مثل انتشار الفساد، ضعف الثقة بين الأفراد، وتفشي الأنانية، حيث أصبح الغش أو الكذب مبررًا بحجة “الجميع يفعل ذلك”.

 

كيف تتشكل الأخلاق؟

الأخلاق ليست صفة فطرية فقط، بل عملية بناء تحتاج إلى جهد ووعي. كما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو: “نصبح عادلين بفعل العدالة، وشجعانًا بفعل الشجاعة”. يرى أرسطو أن الأخلاق تنشأ من الممارسة والعادة، وأن الفضيلة هي التوازن بين التطرفين، كالشجاعة التي تقع بين التهور والجبن. تتشكل أخلاق المرء بما يكرره من أفعال على مدار حياته ؛ تتشكل الأخلاق إذن من خلال التربية الأسرية، التعليم، التجارب الحياتية، والتأمل الذاتي. الأسرة هي المدرسة الأولى التي تغرس القيم، بينما تعزز المدارس والمجتمع هذه القيم عبر التفاعل والقدوة. الدين والفلسفة أيضًا يقدمان إطارًا يوجه السلوك نحو الصواب.

 

دور المؤسسات في تعزيز الأخلاق !

المؤسسات كفاعل تلعب دورا محوريًا في صقل الأخلاق. الأسرة تبني الأساس، بينما المدارس والجامعات تعزز قيم النزاهة والتعاون من خلال المناهج والأنشطة. المؤسسات الدينية، تقدم إرشادات أخلاقية مستمدة من التعاليم الروحية. الإعلام، عند استخدامه بحكمة، يمكن أن يروج للقيم الإيجابية عبر القصص والبرامج الخلاقة. كما أن المنظمات المدنية والقوانين العادلة تعزز المسؤولية الاجتماعية والعدالة، مما يساهم في بناء مجتمع أخلاقي.

 

ماذا تكسب من التخلق بالأخلاق :

التخلق بالأخلاق ليس مجرد واجب، بل استثمار في النفس والمجتمع. على المستوى الشخصي، تجعلك الأخلاق تنعم براحة الضمير، فالصدق والعدل يمنحانك سلامًا داخليًا لا يُشترى. اجتماعيًا، تُكسبك الأخلاق احترام الآخرين وثقتهم، مما يعزز علاقاتهم بك ويفتح أمامك فرصًا أوسع. كما أن الأخلاق تجعلك أقوى في مواجهة التحديات، إذ تبني شخصية صلبة قادرة على اتخاذ قرارات حكيمة. على مستوى المجتمع، الأخلاق هي الركيزة التي تحافظ على التضامن والثقة، فبدونها تنهار الروابط الاجتماعية وتسود الفوضى. كما يؤكد أرسطو، الفضيلة ليست مجرد هدف، بل وسيلة لتحقيق السعادة الحقيقية، أو ما أسماه “اليودايمونيا”، أي الحياة الطيبة.

 

دعوة لاستعادة الأخلاق:

 

غربة الأخلاق في عصرنا ليست نهاية المطاف، بل دعوة للتأمل والعمل. إن استعادة الأخلاق تبدأ من الفرد، من خلال التزامه بالقيم التي يؤمن بها، ثم تنتشر كدوائر الماء إلى المجتمع. لنستلهم من أرسطو فكرة أن الأخلاق تُبنى بالممارسة، ولنكن نحن القدوة في عالم يحتاج إلى الصدق والعدل أكثر من أي وقت مضى. فالأخلاق ليست رفاهية، بل جوهر وجودنا ومفتاح ازدهارنا.

 

منظور أوسع:

 

قالت عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم: “كان خلقه القرآن”. وهذا يعني أن أخلاقه كانت تجسيداً لتعاليم القرآن الكريم في كل جوانب حياته.

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .