فيديو السماوي المفبرك ..متى يصبح الخوف سلاحاً والأخبار الزائفة تنويمًا مغناطيسيًا جماعيًا؟
في بلاغ رسمي صدر عن المديرية العامة للأمن الوطني تحت هاشتاغ #مكافحة_الأخبار_الزائفة، أعلنت مصالح ولاية أمن سطات توقيف سيدتين وفتاة قاصر بمدينة برشيد. بتهمة د تسجيل وبث شريط فيديو مفبرك يصور عملية اختطاف وهمية، مع استعماله في التشهير بسيدة تعاني من اضطراب عقلي، وإثارة الرعب بين المواطنين. الفيديو، الذي انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل، يظهر سيدة تقترب من فتاة وتتمتم بكلمات غامضة، في مشهد يوحي بـالسماوي– تلك الظاهرة الشهيرة التي يستخدمها النصابون للسيطرة النفسية على الضحايا. سرعان ما تحول الفيديو إلى دليل على انتشار السماوي في المدينة وباقي المدن، فأثار موجة من الذعر والتعليقات التي تتحدث عن التنويم المغناطيسي و الجن و الاختطافات المتكررة. لكن التحقيقات الأمنية كشفت الحقيقة: تمثيلية مدبرة، لا اختطاف ولا سحر، مجرد كذبة مصممة للتشهير والإثارة.
ظاهرة السماوي ..تنويم مغناطيسي زائف أم احتيال النفسي خبيث؟
ظاهرة السماوي (أو «طلاميس» كما يسميها البعض) ليست جديدة في المغرب. هي أسلوب نصب يعتمد على التأثير النفسي الشديد، يُروَّج له على أنه تنويم مغناطيسي متوحش، يجعل الضحية تسلّم أموالها وممتلكاتها طواعية دون مقاومة. خبراء علم النفس الاجتماعي، يؤكدون أنها ليست تنويمًا علميًا حقيقيًا (الذي يتطلب تخصصًا وإيحاءً منهجيًا)، بل تخديرًا سيكولوجيًا يجمع بين الإرباك الذهني (كلمات مكررة، نظرات مباشرة، إيقاع صوتي).
استغلال الخرافات والإيمان بالغيبيات.
اختيار ضحايا «قابلين للإيحاء» (مرهقين، خائفين، أو يفتقرون إلى المناعة الفكرية).
النتيجة؟ الضحية تفقد السيطرة المؤقتة على إرادتها، وتستسلم كأنها تحت تأثير سحر. هذا بالضبط ما حاول الفيديو المفبرك في برشيد أن يوحي به: سيدة تتحكم في إرادة فتاة بكلام غامض، فتنتشر الشائعة ويصاب الناس بالهلع.
الاستعداد الجماعي للتصديق: لماذا ينجح السماوي الرقمي حيث يفشل المنطق؟
السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه: لماذا صدق آلاف المغاربة الفيديو فورًا، وشاركوه، وأضافوا إليه روايات مرعبة، قبل أن يصدر البلاغ الأمني؟ الإجابة تكمن في الارتباط العضوي بين ظاهرة الأخبار الكاذبة وظاهرة السماوي. كلاهما يعملان بنفس الآلية النفسية والاجتماعية لتضليل أصحاب العقول الضعيفة (كما يصفها علماء النفس)، وكلاهما يستفيدان من غياب الحس النقدي وغياب التربية الإعلامية.
النقاط المشتركة بين الأخبار الزائفة والسماوي حصرناها احد الساعة في (6 نقاط تكشف الخدعة)التنويم المغناطيسي الجماعي:
السماوي يستخدم الإيحاء اللفظي والنظري ليسيطر على فرد واحد. الأخبار الزائفة تستخدم الإيحاء الرقمي (فيديو قصير، عنوان مرعب، تعليقات متسارعة) لتسيطر على الجمهور كله. في برشيد، لم يكن الفيديو يُنوم فتاة واحدة، بل سماوي المجتمع بأكمله: «انظروا، الاختطاف حدث أمام أعيننا!». النتيجة نفسها: فقدان الإرادة المؤقت، والاستسلام للخوف دون تفكير.
استغلال الهشاشة النفسية والعقول الضعيفة:
النصاب في السماوي يختار ضحيته بعناية (مرهق، يؤمن بالسحر، يفتقر إلى الثقة بالنفس). صانعو الأخبار الكاذبة يستهدفون المجتمع نفسه: أشخاص يعانون القلق الاجتماعي، يؤمنون بالمؤامرات، أو يعيشون في بيئة تعج بالشائعات. السيدة التي تم التشهير بها في الفيديو «تعاني من خلل عقلي» – رمز واضح للضعف الذي يُستغل. كما أن الجمهور الذي صدق الفيديو كان «ضعيفًا» أمام الإيحاء الجماعي.
غياب الحس النقدي: «شفت الفيديو، إذن هو حقيقي»:
في السماوي، لا يسأل الضحية كيف حدث هذا؟ بل يستسلم. في الأخبار الزائفة، لا يتحقق أحد من المصدر أو يطلب دليلاً، بل يشارك فورًا. هذا هو الشرود الذهني الجماعي: التركيز ينحصر في العاطفة (الرعب، الغضب)، والمنطق يغيب. علماء النفس يسمونه قابلية الإيحاء العالية تحت الضغط العاطفي.
تربية إعلامية مفقودة: الجيل الذي يتعلم من تيك توك لا من المدرسة:
التربية الإعلامية تعني تعليم الطفل والمراهق كيف يميز بين الواقع والتمثيل، بين الخبر والدعاية، بين التنويم العلمي والدجل. غيابها يجعل الشباب (حتى القاصرين كالفتاة الموقوفة) أدوات في يد المضللين. الفيديو المفبرك انتشر بسرعة لأن جيلًا كاملًا يثق في الفيديو أكثر مما يثق في البلاغ الرسمي.
إثارة الرعب كأداة سيطرة:
كل من الظاهرتين يعتمد على الخوف ليحقق الهدف. السماوي يخلق خوفًا داخليًا («سأفقد سيطرتي») ليسرق المال. الأخبار الزائفة تخلق خوفًا جماعيًا («أطفالنا في خطر») لتسرق الثقة في المجتمع والدولة. في برشيد، الهدف كان التشهير والإثارة، لكن النتيجة الجانبية كانت إثارة هلع عام أدى إلى شائعات عن انتشار السماوي.
الدور الاجتماعي والثقافي: الإيمان بالخرافة يغذي الاثنين:
مجتمع يؤمن بـالسحر والـجن أكثر من التحليل العلمي هو مجتمع خصب لكلا الظاهرتين. النصاب يقول «هذا سماوي»، والمضلل يقول «هذا خبر حقيقي». كلاهما يستفيد من غياب المناعة الفكرية التي تحدث عنها الخبراء.
منظور أوسع:
من التنويم الفردي إلى اليقظة الجماعية، قضية برشيد ليست مجرد خبر اعتقال؛ إنها مرآة تعكس هشاشة وعينا الجماعي. الأخبار الزائفة والسماوي وجهان لعملة واحدة، التلاعب بالعقل البشري عندما يفتقر إلى الحس النقدي والتربية الإعلامية. الحل لا يكمن فقط في جهود المديرية العامة للأمن (التي تثبت يوميًا فعاليتها في مكافحة الشائعات)، بل في بناء جيل يسأل: من نشر؟ لماذا؟ ما الدليل؟. جيل يعرف أن السماوي قد يكون مجرد تمثيلية، وأن الفيديو قد يكون كذبة. الوعي هو التنويم المضاد. والتربية الإعلامية هي المناعة الفكرية التي تحمينا من كل أشكال النصب – سواء كان فرديًا أم جماعيًا. فهل نحن مستعدون للاستيقاظ قبل أن يسماوينا الخوف مرة أخرى؟
Comments ( 0 )