منع المنابر: ترامب يتحدى إرث منابر إعلامية تعمل خارج الحدود الأمريكية
تُعتبر حرية التعبير من القيم الأساسية في الولايات المتحدة، حيث تكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي، مما جعل البلاد تُنظر إليها كأحد أبرز المدافعين عن هذا المبدأ عالميًا. ومع ذلك، أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال ولايته الثانية في مارس 2025، بمنع عمل منابر إعلامية أمريكية موجهة للخارج مثل “صوت أمريكا” و”أصوات مغاربية” و”الحرة” جدلاً واسعًا. هذا القرار، الذي تضمن تجميد عمل هذه المؤسسات أو قطع تمويلها، أثار تساؤلات حول مدى التزام الإدارة الأمريكية الحالبة بمبادئ حرية التعبير التي طالما روّجت لها.
سنحاول عبر هذا التقرير، استعراض تفاصيل القرار، أسبابه المعلنة، وانعكاساته المحتملة على الداخل الأمريكي والخارج.
خلفية القرار
في منتصف مارس 2025، أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بتجميد عمل عدد من المؤسسات الإعلامية الممولة من الحكومة الأمريكية، والتي تُعرف مجتمعة تحت مظلة “الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي” (USAGM). تشمل هذه المؤسسات “صوت أمريكا” (VOA)، وهي إذاعة تاريخية أُسست عام 1942 لنشر القيم الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، و”الحرة”، وهي قناة فضائية تستهدف الجمهور العربي منذ إطلاقها في 2004، و”أصوات مغاربية”، التي تُركز على منطقة شمال إفريقيا. هذه المنابر تُعد جزءًا من استراتيجية “القوة الناعمة” الأمريكية، حيث تبث برامجها بلغات متعددة مثل العربية والفرنسية والإنجليزية لمواجهة الدعاية المنافسة من دول مثل روسيا والصين.
الأسباب المعلنة للقرار
أعلنت إدارة ترامب أن القرار يأتي في إطار إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي وتقليص التمويل عن المؤسسات التي لا تتماشى مع “المصالح الأمريكية” كما تراها الإدارة. واتهم البيت الأبيض هذه المنابر بنشر “دعاية منحازة” لا تعكس وجهة النظر الرسمية للولايات المتحدة. على سبيل المثال، أشار ترامب في تصريحات سابقة إلى أن “صوت أمريكا” كانت “راديكالية” أو “يسارية متطرفة”في تغطيتها لجائحة كوفيد-19 خلال ولايته الأولى، مما يعكس توترًا طويل الأمد مع هذه المؤسسة. كما رأت الإدارة أن هذه المنابر لم تعد فعّالة في مواجهة التحديات الراهنة، مفضلةً توجيه الموارد نحو وسائل إعلامية أكثر توافقًا مع رؤيتها السياسية.
تفاصيل التنفيذ
بدأ تنفيذ القرار في 15 مارس 2025، حيث تلقى مئات الصحفيين والموظفين في هذه المؤسسات رسائل إلكترونية تُفيدهم بمنعهم من دخول مكاتبهم وتسليم بطاقات اعتمادهم. شمل القرار أيضًا إذاعات أخرى مثل “آسيا الحرة” و”أوروبا الحرة”، مما أدى إلى وصف هذا اليوم بـ”السبت الدامي” في بعض الأوساط الإعلامية. وأُعلن أن الموظفين سيُوضعون في إجازة إدارية مدفوعة الأجر مؤقتًا، لكن مصير هذه المؤسسات يبقى غامضًا، مع توقعات بإغلاقها النهائي في حال عدم تدخل الكونغرس.
الانعكاسات الداخلية
حرية التعبير في قرار الإدارة: أثار القرار انتقادات حادة من منظمات حقوقية وصحفية داخل الولايات المتحدة، التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لاستقلالية الإعلام. ورابطة مراسلي البيت الأبيض، التي كانت تتولى اختيار المشاركين في التغطية الرئاسية قبل أن تسيطر عليها إدارة ترامب، اعتبرت القرار مساسًا بتقاليد الصحافة الحرة.
تأثير على الصحفيين: مئات الصحفيين، بينهم أشخاص من أصول عربية و مغربية وأجنبية، يواجهون خطر فقدان وظائفهم وإقاماتهم في الولايات المتحدة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية الناتجة عن القرار.
الانعكاسات الخارجية
تراجع القوة الناعمة: حذّر خبراء من أن إغلاق هذه المنابر سيُضعف نفوذ الولايات المتحدة الثقافي والإعلامي، خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تُعتبر “الحرة” و”أصوات مغاربية” مصادر رئيسية للمعلومات. وقد يترك ذلك المجال مفتوحًا لدول مثل روسيا والصين لتعزيز رواياتها.
ردود الفعل الدولية: عبّر مسؤولون أوروبيون، مثل وزير خارجية التشيك يان ليبافسكي، عن قلقهم من توقف “أوروبا الحرة” و”صوت أمريكا”، واصفين إياهما بـ”مصادر نادرة للمعلومات المستقلة” في ظل الأنظمة القمعية.
التقييم
يُظهر قرار ترامب نمطًا متكررًا في تعامله مع الإعلام، حيث سبق أن اتخذ إجراءات عقابية ضد مؤسسات مثل “أسوشيتد برس” و”سي بي إس” خلال ولايته الأولى. لكن استهداف منابر موجهة للخارج يُعد تصعيدًا جديدًا، قد يُفسر كجزء من استراتيجية لتوحيد الرسائل الإعلامية تحت سيطرة الإدارة. ومع ذلك، يتناقض هذا القرار مع الدور التاريخي للولايات المتحدة كداعم لحرية التعبير، مما يُثير تساؤلات حول مصداقيتها على الساحة الدولية.
منظور أوسع:
يمثل قرار منع منابر مثل “صوت أمريكا” و”أصوات مغاربية” و”الحرة” نقطة تحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه الإعلام وحرية التعبير. بينما يبرر ترامب القرار بأسباب اقتصادية وسياسية، فإن آثاره قد تمتد لتقوض مكانة أمريكا كزعيمة للديمقراطية العالمية. يبقى مصير هذه المؤسسات معلقًا على رد فعل الكونغرس والرأي العام، لكن القرار في حد ذاته يُشير إلى أولويات إدارة ترامب التي قد تضع المصالح السياسية فوق المبادئ التقليدية لحرية الصحافة.
إشارة:
بعض المنابر التي ذكرنا أعلاه أصبحت تنهج عمل الصحافة الصفراء و انزاحت عن ارثها التاريخي، خاصة “الحرة” التي بدت مؤخرا و كأنها منهمكة في صياغة عناوين مثيرة تظهر فيها الراديكالية بأبها تجلياتها عند الخوض في مواضيع تهم المغرب بالخصوص.
Comments ( 0 )