من الإنصاف الفردي إلى الإنصاف الجماعي: تحول في فلسفة الإدارة المغربية
في سياق التحولات الدستورية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب، يبرز كتاب “من الإنصاف الفردي إلى الإنصاف الجماعي” كإصدار مؤسساتي يعكس عمق التفكير في مفهوم الإنصاف كأداة لتحقيق العدالة داخل المنظومة الإدارية. هذا الإصدار، الذي يأتي في توقيت يتزامن مع احتفاء مؤسسة وسيط المملكة بسنة 2026 كسنة للوساطة المؤسساتية، يمثل خطوة نوعية نحو تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطنين. إذ اختارت المؤسسة هذه السنة للاحتفال بمرور ربع قرن على إحداث ديوان المظالم عام 2001، مما يجعلها مناسبة لتسليط الضوء على تطور الوساطة كآلية للإنصاف والحكامة الجيدة، كما أكد وسيط المملكة حسن طارق في عدة مناسبات.
التأصيل المفاهيمي: الإنصاف كتصحيح لجمود القاعدة.
يبدأ الكتاب بتأصيل فلسفي لمفهوم الإنصاف، معتبراً إياه ليس مجرد مبدأ أخلاقياً، بل أداة عملية لتصحيح الاختلالات التي قد تنجم عن تطبيق القواعد الشكلية بشكل جامد. في السياق الإداري، يُقدّم الإنصاف كوسيلة لاستيعاب خصوصيات الحالات الفردية والجماعية، حيث تعجز المساواة الشكلية عن التعامل مع تنوع الأوضاع الاجتماعية والثقافية. هذا النهج يذكرنا بنظرية جون راولز في “العدالة كإنصاف”، حيث يُنظر إلى العدالة كتوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة الجماعية، لكنه يتجاوزها بتكييفه مع الواقع المغربي.في المغرب، يُبرز الكتاب كيف تحول الإنصاف من مفهوم فردي – يركز على إنصاف الأفراد في مواجهة الإدارة – إلى بعد جماعي يشمل الاعتراف بالتعددية اللغوية والثقافية، كما هو منصوص عليه في دستور 2011. هذا التحول ليس نظرياً فحسب، بل يتجلى في اختيارات دستورية مثل ترسيخ مبدأ الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية، وتعزيز الحقوق الجماعية للمجموعات الثقافية. هنا، يصبح الإنصاف أداة للتوازن بين الفرد والجماعة، مما يعزز الانسجام الاجتماعي في مجتمع يتسم بالتنوع.
الإنصاف في السياق المؤسساتي المغربي: من النظرية إلى الممارسة.
ينتقل الكتاب إلى تحليل كيفية ترجمة الإنصاف إلى ممارسات إدارية ملموسة، مستنداً إلى المرجعيات الدستورية الوطنية والاجتهادات النظرية. يُبرز دور الإنصاف كمبدأ مؤطر للسياسات العمومية، حيث يتجاوز إعلان الحقوق إلى ضمان تفعيلها بشكل عادل. على سبيل المثال، في مواجهة الشكاوى الإدارية، يُقدّم الإنصاف كآلية لتصحيح الشطط الإداري، مما يعزز الثقة في المؤسسات.
في هذا السياق، يستأنس الكتاب بكتابات فكرية عميقة مثل تلك المتعلقة بـ”هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي شكلت تجربة مغربية فريدة في العدالة الانتقالية. تلك الهيئة، التي أنهت أعمالها قبل عقدين، أرست أسساً للإنصاف الجماعي من خلال معالجة الانتهاكات التاريخية، وهو ما يتردد صداه في الإصدار الحالي. كما يربط الكتاب بين الإنصاف والوساطة المؤسساتية، مشيراً إلى أن مؤسسة وسيط المملكة تمثل تجسيداً عملياً لهذا المفهوم. ففي سنة 2026، التي اختارتها المؤسسة كسنة الوساطة المؤسساتية، يصبح الإنصاف ليس مجرد تصحيح فردي، بل ثقافة مؤسساتية تضمن التوازن بين الحقوق الفردية والجماعية.
التحديات والآفاق: نحو ثقافة إنصاف مؤسساتية.
رغم الإنجازات، يناقش الكتاب التحديات التي تواجه تطبيق الإنصاف الجماعي، مثل مقاومة الجمود الإداري والحاجة إلى تعزيز الاستقلالية المؤسساتية. يقترح الكتاب تحولاً في السياسات العمومية نحو نموذج يركز على الحكامة الجيدة، حيث تصبح الوساطة أداة لتشخيص الأعطاب البنيوية وليس مجرد حل نزاعات فردية. هذا النهج يتوافق مع دور مؤسسة وسيط المملكة، التي أكد وسيطها حسن طارق على انتقالها من الحماية الفردية إلى تعزيز الحكامة، كما في لقائه الأخير بكلية العلوم القانونية بالمحمدية.
منظور أوسع:
يقدم إصدار “من الإنصاف الفردي إلى الإنصاف الجماعي” قراءة متوازنة تجعل من الإنصاف معياراً موجهاً للعمل الإداري. في سنة 2026، سنة الوساطة المؤسساتية كما اختارتها مؤسسة وسيط المملكة، يصبح هذا الإصدار دعوة لتعزيز الثقة في الإدارة، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وانسجاماً. إنه ليس مجرد كتاب، بل وثيقة مؤسساتية تعكس التزام المغرب بقيم العدل والاعتراف.
Comments ( 0 )