من ضحايا الإدمان إلى أسرى القانون
شباب في مواجهة وصمة الاتجار بالمخدرات !
في سياق اجتماعي يتسم بالهشاشة والتحديات الاقتصادية، يجد العديد من الشباب أنفسهم في دوامة تعاطي المخدرات، التي غالبًا ما تتطور إلى تجارة صغيرة النطاق لا تتعدى حدود معارفهم لتلبية احتياجاتهم الشخصية. هذه الظاهرة، التي تتشابك فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والقانونية، طرحت اكثر من مرة تساؤلات عميقة حول فعالية المقاربة الزجرية في التعامل مع هؤلاء الشباب، ومدى تأثيرها على مستقبلهم وعلى المجتمع ككل.
من خلال حالة شاب في مدينة آسفي، يُعرض ملفه الآن على المحاكمة بعدما تم توقيفه، وبحوزته كمية محدودة من مخدر “السلسيون” ومبلغ زهيد من المال، يتكشف واقع مرير، يتطلب استحضار تحليل معمق للظاهرة، في ضل هذه العتمة التي لم تصلها اهتمامات الفاعلين الاجتماعيين التي ينتظر منها ان تثري النقاش وتسلط الضوء على الحلول الممكنة.
القصة : شاب في قفص الاتهام.
في يوم الخميس، 23 أكتوبر 2025، شهدت المحكمة الابتدائية بآسفي جلسة حضورية لشاب عشريني متهم بالاتجار بمخدر “السلسيون”، وهو مادة مخدرة تسبب الهلوسة. تم توقيفه كمن سبقوه الى الزنزانة، وبحوزته خمس عبوات من المخدر ومبلغ 70 درهمًا فقط. في دفاعه، أنكر الشاب تهمة الاتجار، مؤكدًا أن الكمية المضبوطة كانت لاستهلاكه الشخصي، وهو ما دفعه لرفض التوقيع على محضر الشرطة القضائية و الامتناع عن ذكر مصدرها. محاميه، الأستاذ كمال، أوضح أن هذه الحالة تمثل نموذجًا للعديد من القضايا التي يواجهها الشباب المتعاطون، حيث تتجاوز كميات المخدرات المضبوطة استهلاكهم الشخصي بشكل طفيف، مما يجعلهم عرضة لتهم الاتجار رغم أن المبالغ المالية المصاحبة لا تعكس نشاطًا تجاريًا حقيقيًا. عائلته تؤكد بدورها ان ابنها العشريني لا يستطيع توفير متطلبات حاجاته اليومية بعد تركه لمقاعد الدراسة و غرقه في دوامة الإدمان.
الإدمان كمدخل للوصمة الاجتماعية والقانونية !
تشير تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن العديد من الشباب، بمن فيهم القاصرون، يتورطون في ما يُسمى “الاتجار” بالمخدرات، لكن هذا الاتجار غالبًا لا يتعدى كونه وسيلة لتغطية تكاليف استهلاكهم الشخصي. في حالة الشاب بآسفي، فإن المبلغ الزهيد (70 درهمًا) والكمية المحدودة من “السلسيون” تؤكدان أن النشاط لا يرقى إلى مستوى التجارة المنظمة، بل هو تعبير عن حالة إدمان شخصية. ومع ذلك، فإن صرامة القانون المغربي، الذي يعتمد مقاربة زجرية صلبة، يضع هؤلاء الشباب أمام عقوبات قاسية، قد تصل إلى السجن لسنوات، مما يفاقم من معاناتهم الاجتماعية والنفسية.القانون المغربي، وفقًا لمدونة المخدرات، يعاقب على الاتجار بالمخدرات بعقوبات تصل إلى 7 سنوات سجنًا، حتى لو كانت الكميات المضبوطة محدودة. هذه المقاربة تتجاهل في كثير من الأحيان السياق الاجتماعي والاقتصادي لهؤلاء الشباب، الذين غالبًا ما ينتمون إلى أسر هشة تعاني من الفقر والبطالة. في تقرير للأمم المتحدة حول المخدرات لعام 2023، يُشار إلى أن الشباب في الدول النامية يواجهون مخاطر الإدمان بشكل أكبر بسبب غياب الفرص الاقتصادية وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي، مما يدفعهم إلى دوائر الجريمة الصغيرة كوسيلة للبقاء.
تداعيات المقاربة الزجرية
كما أشار الأستاذ كمال، لا تعالج جذور المشكلة، بل تساهم في “صناعة المجرمين” بدلاً من إعادة إدماج الشباب في المجتمع. السجن، في هذه الحالات، لا يوفر بيئة تأهيلية، بل قد يعزز من وصمة الشباب ويؤدي إلى تعميق شعورهم بالحقد تجاه المجتمع. دراسة أخرى أجريت عام 2022 أظهرت لنا أن السجن في بيئات غير تأهيلية يزيد من احتمالية عودة الشباب إلى الجريمة بعد الإفراج عنهم، خاصة إذا كانوا يعانون من الإدمان.
انا بالنسبة لعائلة الشاب العشريني في آسفي، التي تراقب بقلق مصير ابنها، فإنها تمثل نموذجًا للأثر النفسي والاجتماعي لهذه القضايا. الوصمة التي يتعرض لها الشباب لا تقتصر عليهم، بل تمتد إلى عائلاتهم، مما يزيد من عزلتهم الاجتماعية ويفاقم من هشاشتهم.
منظور أوسع :
سألنا المحامي عن الحلول البديلة: هل من إمكانية بالتماس العقوبات البديلة التي اقرها المشرع المغربي ؟
عند سؤال الأستاذ كمال عن العقوبات البديلة التي أقرها المشرع المغربي، مثل الأشغال العامة أو برامج إعادة التأهيل، أشار إلى أن هذه الحلول، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لمعالجة المشكلة بعمق. فالإدمان ليس مجرد سلوك فردي، بل هو نتاج ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة تتطلب تدخلاً شاملاً. فبرامج إعادة التأهيل النفسي في المغرب محدودة جدًا، ولا تتوفر إلا في مراكز قليلة في المدن الكبرى، مما يترك الشباب في المناطق الريفية أو المدن الصغيرة مثل آسفي دون دعم حقيقي.
من جهة أخرى، أشار المحامي إلى غياب دور فعال للمجتمع المدني والمؤسسات الأخرى التي تبدو منشغلة بأولويات أخرى. هذا الغياب يترك الشباب عرضة للوقوع في فخ الإدمان والتجارة الصغيرة، دون وجود شبكة أمان اجتماعية تساعدهم على الخروج من هذه الدوامة.
منظور عالمي ومحلي
لإثراء النقاش:
في الإشارة إلى تجارب دول أخرى في التعامل مع هذه الظاهرة. تبنت البرتغال منذ عام 2001 سياسة تصنيف تعاطي المخدرات كمسألة صحية عامة بدلاً من جريمة، مما أدى إلى انخفاض معدلات الإدمان والجريمة المرتبطة بها بنسبة كبيرة. في المغرب، رغم وجود بعض المبادرات مثل برامج “الحد من الأضرار” التي تدعمها جمعيات مثل “جمعية مكافحة الإيدز”، إلا أن هذه المبادرات محدودة النطاق ولا تحظى بدعم حكومي كافٍ.على المستوى الوطني، تظهر إحصائيات المديرية العامة للأمن الوطني لعام 2024 أن أكثر من 60% من القضايا المتعلقة بالمخدرات في المغرب تتعلق بحيازة كميات صغيرة، غالبًا للاستهلاك الشخصي أو التوزيع البسيط بين الأقران. هذا يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في تصنيف هذه القضايا قانونيًا، مع التركيز على التفريق بين المتاجرين الحقيقيين والمتعاطين الذين يتورطون في نشاطات محدودة.
الصورة الأكبر:
إن قصة الشاب في آسفي ليست حالة معزولة، بل هي انعكاس لواقع اجتماعي معقد يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد. إعادة النظر في السياسات الزجرية، وتعزيز برامج إعادة التأهيل، وتفعيل دور المجتمع المدني، هي خطوات ضرورية لتحويل هؤلاء الشباب من ضحايا الإدمان إلى أفراد منتجين في المجتمع. المطلوب هو تحول من مقاربة العقاب إلى مقاربة الوقاية والدعم، لأن استمرار الوضع الحالي لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وتحويل المزيد من الشباب إلى أسرى القانون والوصمة الاجتماعية و تغدية الحقد.
Comments ( 0 )