من قلب الصحراء إلى العالم: النموذج المغربي للحكم الذاتي مرجع عالمي لتسوية النزاعات 5/5
وصلنا إلى نهاية سلسلة مقالاتنا حول قضية الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، في إطار صحافة الحلول التي لا تكتفي بتشخيص الإشكالات، بل تسعى إلى تقديم مقترحات عملية لصياغة نموذج رسمي متكامل حسب تصورنا، على اعتبار أن الحكم الذاتي المغربي هو الحل الأمثل لطي النزاع المفتعل حول ملف الصحراء المغربية. وقد شكلت سنة 2025 محطة مفصلية في مسار القضية الوطنية، بعدما شهد الملف تحولات إيجابية عميقة، سياسيا ودبلوماسيا وتنمويا، عكست نضج المبادرة المغربية التي مرت عبر مراحل تاريخية معقدة، انتهت بتكريس الحكم الذاتي كخيار واقعي، قابل للتطبيق، ويحظى بشرعية داخلية ودعم دولي متزايد.
![]()
وفي المستقبل، سيصبح النموذج المغربي للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية ليس مجرد حل محلي لنزاع إقليمي، بل مرجعا دوليا يدرس في الجامعات ويستشهد به في أروقة الأمم المتحدة كأحد أنجح نماذج تسوية النزاعات المعقدة في القرن الحادي والعشرين. كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، بإجماع شبه كامل أن المبادرة المغربية تمثل الأساس الواقعي والوحيد لهذا النزاع، وهو ما يعكس تحوّل المبادرة المغربية من مقترح سياسي إلى مرجعية أممية غير قابلة للتجاوز في أي مسار تفاوضي جاد. و لم يكن ذلك مجرد تمديد تقني لولاية بعثة المينورسو، بل تتويجاً لمسار استراتيجي جعل من المغرب فاعلاً دولياً في حل النزاعات عبر التنمية والحوار بدل التقسيم أو الحرب.
لماذا سيصبح النموذج المغربي مرجعا أكاديميا يدرس في الجامعات؟
تكمن قوة النموذج المغربي في قدرته على الجمع بين حكم ذاتي واسع الصلاحيات، مستلهم من تجارب دولية ناجحة مثل كاتالونيا وهونغكونغ، وبين تنمية اقتصادية واجتماعية ملموسة، تتجسد في مشاريع كبرى من قبيل ميناء الداخلة الأطلسي، واستثمارات بالطاقة المتجددة، والبنية التحتية الحديثة. جعل هذا التلازم بين السياسة والتنمية من المبادرة المغربية حلاً واقعياً وذا مصداقية، كما تصفه تقارير الأمم المتحدة وعدد من مراكز التفكير الدولية.
![]()
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تزايد النزاعات والتوترات، يقدم المغرب نموذجا متكاملا يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:
أولا: الدعم الدولي المتزايد
وذلك من خلال دعم أكثر من 120 دولة اليوم المبادرة المغربية، من بينها الولايات المتحدة التي اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه وافتتحت قنصلية بالداخلة منذ 2021، وفرنسا التي أعلنت اعترافها الرسمي سنة 2024، والمملكة المتحدة التي وصفت المبادرة في يونيو 2025 بأنها الأكثر مصداقية وبراغماتية. حتى جنوب إفريقيا، التي كانت تُعد من أبرز الداعمين للأطروحة الانفصالية، أبدت في نوفمبر 2025 إشارات إيجابية قد تعكس تحولا في المقاربة.
![]()
ثانيا: الازدهار الفعلي مقابل الوعود الجوفاء
عرفت الأقاليم الجنوبية تطورا سريعا، حيث انخفضت معدلات الفقر إلى أقل من 2%، وارتفعت مؤشرات التمدرس والتغطية الصحية لتتجاوز المعدل الوطني، بينما تشهد مخيمات تندوف أوضاع إنسانية هشة وذلك من خلال اعتماد أكثر من 170 ألف شخص على المساعدات الإنسانية. هذا التفاوت الصارخ بين نموذجين جعل من الخطاب الانفصالي خطابا متآكلا أمام الوقائع الميدانية، كما أكدت ذلك تقارير منظمات دولية مستقلة.
ثالثا: الدبلوماسية الإفريقية ذات البعد التنموي
![]()
تتجلى من خلال المبادرة الأطلسية التي أطلقت سنة 2023، إذ وفر المغرب لـ23 دولة إفريقية غير ساحلية ولوجا استراتيجيا إلى المحيط الأطلسي عبر موانئ الأقاليم الجنوبية، ما عزز موقعه كقوة استقرار إقليمي في الساحل وغرب إفريقيا. فضلا عن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي دخل مرحلة الإنجاز في 2025، والذي شكل رافعة طاقية وتنموية لـ13 دولة إفريقية.
مقارنة مع نزاعات أخرى: المغرب النموذج الوحيد الذي يجمع السيادة والازدهار
عند مقارنة النموذج المغربي بسيناريوهات نزاع أخرى في العالم، يتضح الفارق بشكل جلي. ففي كشمير على سبيل المثال، مازال التوتر مستمر بين الهند وباكستان دون أفق حلول واقعية تحسم هذا النزاع الذي عرف مواجهات عسكرية في الاونة الاخيرة. بالاضافة الى كل من كردستان العراق وسوريا، التي فشلت فيها محاولات الاستقلال في تحقيق الاستقرار.أما في شرق أوكرانيا والقرم، فقد قاد منطق القوة إلى حرب مفتوحة وتدويل دائم للأزمة. و بالنسبة لفلسطين، لايزال المغرب يواصل دعمه وجهوده لحل الدولتين واستقلال فلسطين على اعتبارها القضية الأولى بعد الصحراء المغربية حيث يهدف إلى تحقيق الأمن والسلم في المنطقة في إطار احترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
جدول مقارنة مع النزاعات الأخرى:
![]()
من جانب آخر، يقدم المغرب نموذجا بديلا يقوم على السيادة الوطنية مع حكم ذاتي موسع وتنمية شاملة، ما يجعله قابلا للتطبيق في نزاعات إفريقية مثل تيغراي في إثيوبيا أو دارفور في السودان، بل وحتى في بعض سياقات الشرق الأوسط التي تبحث عن صيغ وسطى بين الدولة المركزية والانفصال.
![]()
دعوة مباشرة للجزائر والبوليساريو: يبقى توقيع اتفاق الحكم الذاتي اليوم قبل الغد الخيار الأكثر واقعية وعقلانية لإنهاء النزاع
بعد نصف قرن من النزاع، لم يعد هناك أي مبرر سياسي أو أخلاقي لاستمرار الوضع القائم. فالمبادرة المغربية اليوم ناضجة، مدعومة دولياً، وقابلة للتنفيذ فورا. والمغرب اليوم يمد يده للجزائر والبوليساريو من أجل توقيع اتفاق نهائي، على غرار اتفاق جزر أولاند لسنة 1921، تحت رعاية الأمم المتحدة وضماناتها. اتفاق من هذا النوع لن يكون هزيمة لأي طرف، بل انتصارا للسلام والتنمية وكرامة الإنسان، وسيحظى بتصفيق المجتمع الدولي كما حظيت به اتفاقات تاريخية أنهت نزاعات طويلة.
فالاطراف المعنية مسؤولة عن نتائج قراراتها بالمستقبل وأن كل تعطيل في حسم النزاع يرجع لها بالأساس.
الصحراء المغربية… نموذج لكرامة الإنسان في القرن الـ21
الصحراء المغربية ليست مجرد مجال جغرافي أو ملف سياسي، بل نموذج حي لكيفية تحويل نزاع إقليمي مفتعل إلى فرصة للازدهار المشترك والاستقرار الإقليمي. بالأرقام، بالإنجازات، وبالدعم الدولي المتزايد، يثبت المغرب أن السلام لا يبنى بالشعارات ولا بالارتهان للماضي، إنما بالإرادة السياسية والتنمية الواقعية وتظافر الجهود لتحقيق السلم والأمن بالمنطقة.
![]()
إن ختام هذه السلسلة ليس نهاية النقاش، بالعكس فهو بداية لمرحلة حاسمة تجتمع فيها الاراء وتتوحد ،فيها صيغة الوثيقة الرسمية لمبادرة الحكم الذاتي. فالنموذج المغربي بات جاهزا ليكون مرجعا عالميا يحتذى به ويُستشهد به في الأمم المتحدة كنموذج فعال لحسم النزاعات الدولية القائمة والمستقبلية… والكرة اليوم في ملعب من لا يزال يراهن على الجمود وهو ما يضع النموذج المغربي في مصاف التجارب القليلة التي نجحت في تحويل النزاعات من عبء سياسي إلى رافعة تنموية وسلمية.
شكرا لمتتبعينا الأوفياء الذين لم يبخلوا علينا بآرائهم في هذه السلسلة وناقشنا مجموعة من النقاط الاساسية ونضرب لكم موعدا اخر في سلسلة جديدة بحول الله.
Comments ( 0 )