من كراكاس إلى غزة: مشهدان يكشفان حقيقة النظام العالمي وعظمة المقاومة

من كراكاس إلى غزة: مشهدان يكشفان حقيقة النظام العالمي وعظمة المقاومة

 

 

 

 

في مشهد أقرب إلى الخيال، تتعرض دولة بحجم فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، لهجوم مباغت يُسفر خلال نصف ساعة فقط عن شلّ دفاعاتها الجوية، واختطاف رئيسها مع زوجته، وإخراجهما قسرًا من البلاد. بلد يملك سلاحًا جويًا، وصواريخ، ومخابرات، ومضادات دفاعية، تسقط سيادته أمام إرادة القوى الكبرى بضغطة زر، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض.

 

لكن هذا المشهد، بكل ما فيه من قسوة وكشف للعري الأخلاقي في “النظام العالمي”، لا يثير الدهشة بقدر ما يسلّط الضوء على مشهد آخر مضاد تمامًا له، في غزة.

 

قطاع صغير محاصر منذ سنوات، يفتقر للسلاح النوعي، لا يملك غطاءً دوليًا، ولا نفطًا، ولا طائرات، ومع ذلك، صمد لأكثر من عامين في وجه آلة حرب غاشمة تقودها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر ومخابرات غربية، وعلى رأسها البريطانية.

 

ورغم الاجتياح والقصف والتكنولوجيا المتقدمة، لم تُؤسر قيادة، ولم يُحرر أسير إلا باتفاق، ولم يُفرض على هذا الشعب شيء إلا ورفضه أو فَرض شروطه. أُسِر القادة في كراكاس وهم محاطون بأجهزة الدولة، بينما بقي قادة غزة وسط الركام عصيين على الأسر أو الانكسار .

 

لم تكن الحروب عبر التاريخ تُحسم يومًا بعدد الدبابات ولا بتفوّق الطائرات، بل بما يسكن صدور المقاتلين من عزيمة وإيمان وعدالة قضية. فحين يؤمن الإنسان بأن ما يدافع عنه هو حقّ لا يقبل المساومة، تتحوّل روحه إلى درع، وإرادته إلى سلاح لا يُكسر. الجيوش قد تنهزم إذا فقدت المعنى، لكن أصحاب القضايا لا يسقطون حتى وهم تحت الركام، لأنهم يقاتلون لا من أجل أرض فقط، بل من أجل كرامة ووجود ومستقبل. وهنا يكمن السرّ الحقيقي للنصر: أن تؤمن بأنك على الحق، وأن هذا الحق يستحق أن تُبذل من أجله كل التضحيات.

 

يثبت النظام العالمي اليوم أنه لا يقوم على القانون ولا على الشرعية الدولية، بل على قاعدة واحدة: القوة هي التي تفرض الاحترام. فالدولة التي لا تملك قرارها ولا تمتلك قدرة الردع تتحول إلى ساحة مفتوحة للتدخل، مهما كانت سيادتها مكتوبة في الدساتير. ومشهد اعتقال رئيس فنزويلا، في هذا السياق، يختزل طبيعة هذا النظام: دولة غنية بالنفط، لكنها خاضعة للضغط الأمريكي والغربي، يمكن كسرها واختراقها وإذلال قيادتها لأن موازين القوة ليست في صالحها. هكذا تُدار السياسة الدولية؛ لا مكان فيها للحياد ولا للضعفاء، بل لمن يملك القدرة على فرض كلفته على من يريد الاعتداء عليه. ولهذا تُهان دول وتُختطف قياداتها، بينما تُحسب ألف حساب لشعوب قررت أن تكون كلفة إخضاعها أعلى من كلفة تركها حرّة.

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .