ناصر الجن: الداهية الذي خُيب أمله في الهروب
في الجزائر، حيث تتقاطع خيوط السلطة مع شبكات الظلال العسكرية، يظل اسم “ناصر الجن” – أو عبد القادر حداد كما هو اسمه الرسمي – رمزاً للقوة والإثارة والجدل. هذا الجنرال المتقاعد، الذي أصبح رئيساً للمديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) في يوليو 2024، يُلقب بـ”اليد السوداء” أو “الجن” لدوره الدموي المزعوم خلال “العشرية السوداء” في التسعينيات. مسيرته الطويلة في أروقة المخابرات الجزائرية تجسد التوازن الهش بين الولاء للنظام والصراعات الداخلية التي تهز أركانه. لكن في الأسابيع الأخيرة، تحولت قصته إلى دراما صامتة بين سكان الجزائر و معلنة على مواقع التواصل: محاولة هروب فاشلة من الإقامة الجبرية، اكتشاف مخبئه في خميس الخشنة شرق العاصمة، ثم القبض عليه. هذه الحادثة ليست مجرد فشل شخصي، بل زلزال يعكس التصدعات العميقة داخل “الدولة العميقة” الجزائرية.
ناصر الجن من “العشرية السوداء” إلى قمة السلطة الأمنية
ولد ” ناصر الجن ” او عبد القادر حداد في الستينيات، وانخرط مبكراً في الجيش الجزائري، لكنه برز خلال الحرب الأهلية المعروفة بـ”العشرية السوداء” (1992-2002)، التي شهدت صراعاً بين الجماعات الإسلامية والدولة، أسفر عن عشرات الآلاف من الضحايا. وفقاً لتقارير منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” وشهادات ناجين، كان “ناصر الجن” مسؤولاً عن عمليات قمعية شديدة الوحشية، بما في ذلك الاعتقالات القسرية، التعذيب في مراكز مثل “ثكنة عنتر” (المركز الرئيسي للتحقيقات العسكرية ببن عكنون)، والإعدامات الميدانية برصاصة في الرأس، كلها اتهامات لم تُسمع حيت أطلق بوتفليقة خطة الوئام المدني من أجل الانتقال الديمقراطي. وصفته صحيفة “لوموند” الفرنسية بأنه “رمز القبضة الحديدية”، مشيرة إلى تورطه في ملفات اختطاف واغتيال معارضين داخل الجزائر وخارجها.
بعد انتهاء تلك الفترة، اختفى حداد عن الأنظار لسنوات، مقيماً في إسبانيا حتى 2021، حيث عاد بدعم مباشر من الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة. عُيِّن فوراً على رأس “آلة الموت” – كما يُشار إلى مركز بن عكنون – قبل أن يتولى قيادة DGSI في 2024، وهو الجهاز المسؤول عن الاستخبارات الداخلية ومكافحة الإرهاب والتجسس. خلال فترة توليه المنصب، أشرف على حملات أمنية واسعة، بما في ذلك مواجهة النفوذ الفرنسي و صحافته و التفرغ لمراقبة الحراك الشعبي، مما جعله واحداً من أقرب المقربين للرئيس تبون. ومع ذلك، أثارت تعييناته تساؤلات حول صراع الأجنحة داخل الجيش، حيث غيّر قيادة DGSI خمس مرات في ثلاث سنوات فقط.
الإقالة المفاجئة: بداية النهاية ناصر الجن
في 22 ماي 2025، أُقيل “ناصر الجن” من منصبه بعد أقل من عام، في قرار أثار موجة من التكهنات. أكدت النيابة العامة الجزائرية اتهامه بتهم ثقيلة، منها إخفاء أسلحة حربية، إتلاف وثائق عسكرية حساسة، والتخابر مع جهات أجنبية، مما يهدد الأمن القومي. نقل إلى السجن العسكري في البليدة ثم بشار (غرب الجزائر)، قبل أن يُفرج عنه ويُوضع تحت الإقامة الجبرية في فيلا بحي دالي إبراهيم بالتلال المحيطة بالعاصمة. يُعتبر هذا السجن جزءاً من حملة تطهير أوسع طالت جنرالات آخرين مثل وسيني بوعزة ومحمد بوزيت، في سياق صراع نفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
الهروب الفاشل الى خميس الخشنة
مع دخول سبتمبر 2025، انتشرت أنباء عن فرار “ناصر الجن” نحو إسبانيا عبر قوارب الموت، مصحوباً بستة ضباط كبار، كما أفاد الناشط السياسي وليد كبير على صفحاته. أثارت الشائعة صدمة في الهرم السلطوي، مما دفع إلى عقد اجتماع طارئ للمجلس الأعلى للأمن واستنفار أمني غير مسبوق في العاصمة وضواحيها يومي 18 و19 سبتمبر – الأكبر منذ “العشرية السوداء”، وفق “لوموند”. وصفت الصحيفة الفرنسية الواقعة بأنها “صدمة عنيفة”، مشيرة إلى تواطؤ محتمل داخل الأجهزة الأمنية سمح بفراره.
لكن الحقيقة كانت أكثر بساطة وإثارة: لم يصل “الجن” إلى إسبانيا. كان مختبئاً في خميس الخشنة، بلدة هادئة شرق الجزائر العاصمة، في محاولة يائسة للالتفاف حول الإقامة الجبرية. كشف الناشط أمير بوزخورز (أمير ديزاد) التفاصيل قبل يومين، مؤكداً أن القوات الأمنية ألقت القبض عليه هناك. أقر وليد كبير بخطئه في تأكيد الفرار، مشيراً إلى أن “ناصر الجن” الآن في ثكنة عنتر ببن عكنون، وسيُقدَم أمام القضاء العسكري بالبليدة لخرق الإقامة الجبرية، مع احتمال سجنه من جديد. أضاف نشطاء جزائريون آخرون من خارج البلاد أن الحظ خان الهارب هذه المرة، مقارنين إياه بـ”باميلا أندرسون” في سخرية من الإشاعات المنتشرة.
ماذا يقع في الجزائر إذن ؟! صراع أجنحة أم تصدع نظامي؟
يأتي هذا الحدث في سياق أزمة أعمق: الجزائر تشهد تغييرات متلاحقة في قيادة الجيش والمخابرات منذ 2025، مع ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة تنذر باحتقان على جميع القطاعات المدنية و العسكرية. يرى الخبير الأمني كريم مولاي أن اعتقال “ناصر الجن” يشعل معركة نفوذ داخل الجيش، بينما يحذر مراقبون من أن فراره المزعوم كشف عن ثغرات في الجهاز الأمني نفسه. عُيِّن الجنرال عبد القادر آيت وعرابي الملقب (“حسان”) خلفاً له، في رسالة من الجيش لتعزيز قبضته على الأجهزة الحساسة.
الصورة الأكبر
يظل “ناصر الجن” شخصية معقدة: بطل وطني لدى أنصاره، مجرم حرب لدى معارضيه. محاولته الفاشلة للهروب ليست نهاية قصته، بل بداية فصل جديد في تاريخ الجزائر المضطرب. هل ستكشف التحقيقات المقبلة عن شبكات أوسع؟ الوقت وحده سيجيب، لكن الداهية الذي خدع الجميع قد يجد نفسه هذه المرة في قبضة القدر نفسه.
Comments ( 0 )