تطبيقات التعارف والعلاقات الافتراضية.. بين الواقع والخيال
تغيرت العلاقات الإنسانية اليوم، حيث لم تعد تبدأ بالطريقة التي عرفتها الأجيال السابقة. إذ ساهم انتشار الإنترنت وتطور مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن ظهور تطبيقات التعارف، التي أصبح بإمكان الإنسان من خلالها الالتقاء بأشخاص من مختلف بقاع العالم، وتبادل الحديث معهم، والتعرف على أفكارهم وحياتهم، دون أن تكون هناك حاجة إلى لقاء مباشر أو معرفة سابقة.
للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد وسيلة جديدة للتواصل والتعارف، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يجدون صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية في الحياة اليومية. كما أن بعض هذه التطبيقات فتحت المجال أمام من يبحث عن شريك حياة، أو توسيع دائرة المعارف، أو حتى تبادل الحديث مع آخرين يشاركونهم بعض الاهتمامات.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول التعارف الافتراضي من مجرد تواصل عابر إلى علاقة عاطفية؟
هنا يبدأ الأمر في الدخول إلى منطقة أكثر حساسية. فالعلاقة الافتراضية قد تبدأ برسالة بسيطة، أو إعجاب بصورة، أو تعليق على منشور، ثم تتطور تدريجيا إلى محادثات متكررة، وانتظار للرسائل، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، قد يشعر أحد الطرفين بأنه أصبح قريبا من شخص لم يلتقِ به في الواقع، وربما أكثر راحة في الحديث معه من أشخاص موجودين في حياته اليومية.
وقد لا ينتبه الإنسان في البداية إلى حجم هذا التحول، لأن العلاقة تبدأ غالبا من مساحة تبدو آمنة، لا تتطلب التزاما واضحا، كما لا تفرض مواجهة مباشرة مع الطرف الآخر.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المساحة الافتراضية إلى مكان للحصول على الاهتمام العاطفي الذي يفتقده الشخص في حياته الواقعية.
فقد يبحث أحد الزوجين، مثلا، عن شخص يستمع إليه، أو يمنحه الاهتمام، أو يشعره بأنه مرغوب ومهم. ومع استمرار التواصل، قد تتحول العلاقة من مجرد محادثات عادية إلى ارتباط عاطفي، حتى وإن لم يحدث أي لقاء مباشر بين الطرفين.
وهنا يطرح سؤال مهم: هل يمكن اعتبار العلاقة الافتراضية خيانة حتى لو لم تصل إلى لقاء في الواقع؟ أم يمكن أن تتحول إلى علاقة جدية في الواقع؟
لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع العلاقات، لأن حدود الخيانة تختلف من علاقة زوجية إلى أخرى، كما تختلف نظرة الأشخاص إلى طبيعة التواصل المقبول وغير المقبول. لكن عندما يبدأ أحد الزوجين في إخفاء محادثاته، أو حذف الرسائل، أو البحث عن شخص آخر لإشباع احتياج عاطفي خارج العلاقة، فإن الأمر لم يعد مجرد استخدام عادي للهاتف. بل تزداد حساسية الموضوع عندما يدخل الكذب إلى العلاقة.
في هذه الحالة قد يتم حذف الرسائل، أو تغيير كلمات المرور، أو إنشاء حسابات لا يعرف بها الطرف الآخر، أو حتى تقديم مبررات متكررة لقضاء وقت طويل أمام الهاتف. ولا يصبح الهاتف مجرد وسيلة للتواصل، بل يتحول إلى مساحة خاصة يعيش فيها أحد الزوجين جزءا آخر من حياته بعيدا عن شريكه.
والأخطر من ذلك أن هذه العلاقات الافتراضية قد تبدو أحيانا للبعض أكثر مثالية من العلاقات الواقعية، لأن كل طرف يستطيع اختيار ما يريد إظهاره عن نفسه. فقد يقدم الشخص صورته الأفضل، ويتحدث عن نجاحاته، ويخفي مشاكله أو عيوبه، بينما يتلقى الطرف الآخر هذه الصورة دون أن يعيش معه تفاصيل الحياة اليومية التي تكشف حقيقة الشخصية. وهنا يمكن أن تظهر المقارنة من جديد.
فقد يبدأ الشخص في مقارنة شريكه الحقيقي بشخص افتراضي لا يعرف عنه سوى ما اختار هو أن يظهره. فيرى اهتماما ورسائل وكلمات جميلة من شخص آخر، بينما يرى في شريكه الحقيقي المسؤوليات والضغوط والخلافات اليومية.
وهذه مقارنة غير متكافئة، لأن العلاقة الواقعية تحمل تفاصيل الحياة كاملة، بينما قد تُبنى العلاقة الافتراضية على لحظات منتقاة بعناية، وصور تعكس الجانب السعيد من الحياة الذي قد لا يعبر بالضرورة عن الواقع. لكن هل يعني هذا أن كل شخص يستخدم تطبيقات التعارف يبحث بالضرورة عن علاقة موازية؟
الجواب المنطقي هو لا.
فهناك أشخاص يستخدمون هذه التطبيقات لأهداف مختلفة، وقد يبحث بعضهم فعلا عن شريك حياة أو علاقة جادة، كما أن وجود التطبيق في حد ذاته لا يعني وجود مشكلة داخل العلاقة الزوجية. وقد تبدأ المشكلة عندما يصبح التطبيق وسيلة للهروب من العلاقة الواقعية، أو يتحول التعارف إلى بديل عن الحوار، أو يتجاوز أحد الزوجين الحدود المتفق عليها، أو تصبح العلاقة الافتراضية أكثر أهمية من العلاقة الحقيقية.
وفي بعض الحالات، قد لا تتوقف العلاقة عند حدود الرسائل والمحادثات، بل تنتقل إلى تبادل الصور والمعلومات الشخصية، ثم إلى مكالمات صوتية أو مرئية، وقد تصل في حالات أخرى إلى لقاءات مباشرة في الواقع. وهنا تنتقل العلاقة من العالم الافتراضي إلى الواقع، وتصبح آثارها أكثر تعقيدا على الحياة الزوجية والأسرة.
ولا تقتصر مخاطر تطبيقات التعارف على العلاقات العاطفية وما قد يترتب عنها من مشكلات أسرية، بل قد تتجاوز ذلك إلى الاستغلال المادي والاحتيال. ففي بعض الحالات، قد يلجأ أشخاص إلى استغلال تعاطف الطرف الآخر مع ظروفهم الاجتماعية للحصول على المال، بينما قد يلجأ آخرون إلى الإغراء بعلاقات أو ممارسات ذات طابع جنسي مقابل مبالغ مالية.
وفي هذا السياق، صرح أشخاص لجريدة المنظور تيفي بريس بتعرضهم لعمليات نصب عبر تطبيقات التعارف، سواء من خلال استغلال تعاطفهم مع الظروف الاجتماعية للطرف الآخر، أو بطرق احتيالية أخرى للحصول على مقابل مادي.
وتبقى الاسئلة المطروحة هي:
ـ لماذا يبحث البعض عن علاقة خارج العلاقة الزوجية أصلا؟
ـ ما هي الأسباب المباشرة لذلك؟
ـ هل يتعلق الأمر بالفراغ العاطفي وضعف التواصل بين الزوجين؟ أم بالرغبة في الهروب من المسؤوليات؟ أم أن سهولة الوصول إلى الآخرين قد تجعل الدخول في علاقات جديدة أكثر سهولة من السابق؟
ببساطة، ربما لا يوجد سبب واحد يمكن أن يفسر جميع الحالات. فالعلاقات الإنسانية معقدة، وما قد يبدأ بدافع الفضول عند شخص، قد يكون عند شخص آخر نتيجة لشعور طويل بالإهمال أو الوحدة أو عدم الرضا.
وبالتالي فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقوم فقط على مراقبة الهاتف أو منع التطبيقات، وإنما تحتاج أيضا إلى فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يبحث عن الاهتمام خارج العلاقة.
فإذا كان الهاتف قد أصبح بوابة إلى اكتشاف العالم كله، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يتحدث معه الزوج أو الزوجة؟ بل أيضا: لماذا أصبح هذا الشخص الآخر مهما إلى هذه الدرجة؟
وبذلك نصل إلى نقطة أكثر حساسية في هذه الظاهرة، عندما لا يعود الإنسان يبحث فقط عن التواصل، ويصبح في حاجة مستمرة إلى الرسائل والاهتمام والتفاعل، ويقضي ساعات طويلة داخل العالم الافتراضي. حينها لا تعود المشكلة مرتبطة بالعلاقات فقط، وإنما تدخل في مرحلة أخرى من الظاهرة، وهي الاستخدام المفرط للتكنولوجيا والتعلق بالعالم الرقمي، الذي قد يصل في بعض الحالات إلى سلوك إدماني يؤثر على الإنسان والأسرة والمجتمع.
وهذا ما سنتناوله في المقال المقبل.
Comments ( 0 )