المغرب الكبير ..جذور متأصلة في الأرض وسيادة محفوظة خارج أرشيفات ماوراء البحار
عُم بحرك، كما يقول المثل الشعبي المغربي ..و نقصد بها عندنا، ذلك الشخص الذي يرفض يد العون او المصالحة، و هذا ما استخلصناه بعد بحث مُطول في أرشيفات الجمهورية الفرنسية عن الأصول، وخاصة أرشيفات ما وراء البحار (Archives Nationales d’Outre-Mer – ANOM)، في مجموعة واسعة من وثائق الحالة المدنية المتعلقة بمناطق كانت تحت الإدارة الفرنسية المباشرة أو غير المباشرة. تشمل هذه الوثائق سجلات ولادة وزواج ووفاة لعائلات من شمال أفريقيا وأمريكا الشمالية والكاريبي وآسيا، ويمكن البحث فيها بسهولة نسبية في بعض الحالات، لمن يهمهم الأمر و خاصة بقصر “المرادية”. لأن المغرب هنا يشكل استثناءً واضحاً في هذا السياق.
لا تتوفر سجلات عائلات المغرب داخل التراب المغربي في الأرشيف الفرنسي ANOM؟

السبب تاريخي وقانوني بحت. فإذا كانت الجزائر مستعمرة مباشرة، أُدمجت إدارياً كأجزاء من التراب الفرنسي (دوائر)، و كانت تعتبر مقاطعة فرنسية كما تؤكد ذلك الخرائط الموثقة بالسجلات الفرنسية لحدود الجزائر الحقيقية، مما أدى إلى إنشاء سجلات حالة مدنية أوروبية وفق النموذج المتروبولي، مع نسخ جزئية نُقلت أو صُورت لاحقاً إلى فرنسا. أما المغرب و منذ معاهدة فاس 1912 حتى الاستقلال 1956 كان هو المغرب الذي يعرفه التاريخ و الجغرافيا. حافظت الدولة الشريفة على سيادتها الإسمية ومؤسساتها، بما في ذلك تنظيم الأحوال الشخصية والعائلية.
أُنشئ نظام الحالة المدنية المغربي رسمياً بموجب ظهير 4 سبتمبر 1915 (24 شوال 1333)، وكان اختيارياً في البداية للمغاربة لرفع اللُبس عن المحافضين، ثم توسع تدريجياً. بقيت السجلات الأصلية تحت السلطة المغربية، ولم تُنقل إلى الأرشيفات الفرنسية كما حدث في المستعمرات المباشرة. ما يوجد في الجانب الفرنسي يتعلق أساساً بالحالة المدنية للقناصل والفرنسيين والأوروبيين المقيمين، وهو محفوظ في أرشيفات وزارة الخارجية الدبلوماسية (Nantes وLa Courneuve)، وليس في ANOM بالمعنى الذي ينطبق على الجزائر أو الهند الصينية.

واصلنا بحثنا هذا، لكن الغياب ليس نقصاً في التوثيق الفرنسي، بل نتيجة استمرار مؤسسات الدولة المغربية. النظام المخزني، الذي يمتد جذوره لأكثر من اثني عشر قرناً، حافظ على آليات محلية دقيقة لإدارة أمور السكان والأرض. المقدم، الشيخ، القيد كأحد أقرب ممثلي السلطة المركزية على المستوى الترابي، لعبو دوراً محورياً في معرفة النسيج الاجتماعي داخل نفوذهم. المقدم هو الذي يصادق على الإمضاءات والوثائق، ويعرف التفاصيل اليومية للعائلات والأراضي، مما يجعل التوثيق مرتبطاً مباشرة بالأرض والمجتمع المحلي لا بمركز إداري وراء البحار.
هي الهوية المغربية المتعددة الروافد التي ضلت صامدة أمام القوى الخارجية!
و التي كانت تتحسس هي الأخرى علينا !
الهوية المغربية ليست بناءً حديثاً. هي نتاج تفاعل طويل بين المكونات الأمازيغية والعربية والإسلامية والأفريقية والأندلسية، تفاعل صمد أمام محاولات الاختراق الإمبراطوري. الإمبراطوريات السابقة، سواء الرومانية أو البيزنطية أو العثمانية أو غيرها، لم تمحُ هذا التعدد، وكذلك الأمر في العصر الحديث. حتى من اختار الجنسية الفرنسية أو الإسبانية بعد الاستقلال، بقيت جذوره مرتبطة بالتراب المغربي، وهذا ما يعزز الاستقرار الروحي والوجداني للمغاربة حول العالم.

في المقابل، توفر أرشيفات ANOM بيانات أوسع عن مناطق أخرى، بما في ذلك بعض العائلات الجزائرية التي هاجرت أو سُجلت تحت الإدارة الاستعمارية. هذا الاختلاف يعكس طبيعة العلاقة القانونية، الجزائر كانت تحت السيادة الفرنسية المباشرة، بينما حافظ المغرب على هيكله السيادي. لا يعني ذلك أحكاماً مسبقة على أحد، بل يوضح كيف أن غياب السجلات المغربية في الأرشيف الفرنسي دليل على استمرارية المؤسسات المغربية لا على غيابها، لكن الغريب في بحثنا و الذي حاول ان يفرض وجوده، هو الذي لم نجد اثر لٕاسم عائلته في هذه الأرشيفات ولا عند الكابرانات، هل تغير الٕاسم ام لم يكن من أصل، فهذا موضوع آخر لا يهمنا، ..”عوم بحرك ! ” .
البعد الجيوستراتيجي في غرب المتوسط
أخدْنا نفسا هذه المرة و بعدا آخر في البحث داخل الخرائط التاريخية في الأرشيفات الفرنسية و التي غالباً ما تعكس حدود المغرب كما كانت معترفاً بها في إطار الاتفاقيات الدولية آنذاك. خرائط تتوافق مع استمرار الدولة المغربية اليوم كفاعل إقليمي له وزنه في غرب المتوسط و الساحل الذي يتجدر فيه البعد الروحي. الاستقرار الداخلي، المرتبط بهوية متجذرة ونظام إداري محلي فعال، يسهم في تعزيز مكانة المملكة على الساحة الدولية، بعيداً عن الاعتماد على معطيات أرشيف وراء البحار.
منظور أوسع :
الٕانتماء أكبر من وثيقة !
الانتماء إلى المغرب يتجاوز أي قائمة في قاعدة بيانات أجنبية. هو ارتباط بالأرض والتاريخ والمؤسسات التي صمدت. المقدم والسلطة الترابية ليسا مجرد موظفين إداريين، بل حلقة وصل حية بين الدولة والمجتمع. في عصر تتعدد فيه نقاشات الهوية عالمياً، يظل النموذج المغربي مثالاً على كيفية الحفاظ على الأصالة مع الانفتاح، دون الحاجة إلى إثبات الجذور عبر أرشيفات وراء البحار.
الصورة الأكبر :
استمرار المؤسسات المغربية -في الحقيقة التي تزعج البعض- يدعو إلى الاعتزاز بهذا الاستثناء كدليل على قوة الهويّة، مع احترام تجارب العالم الآخر.
Comments ( 0 )