دلائل الخيرات وسبتة القاضي عياض.. حين يلتقي الوجدان المغربي بالحق التاريخي في وحدة التراب
في غمرة احتفالات المغرب بعيد المولد النبوي الشريف الذي حل هذه السنة في سياق تعيش فيه الأمة تحولات على عديد المجالات، أكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في حضرة أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، أن تعلق الأمة المغربية بالجناب النبوي له تجليان: سياسي وعاطفي. أشار في التجلي العاطفي إلى تميز المغاربة في ذكر المقامات المُصطفوية، مستحضراً كتابي «الشفا» للقاضي عياض و«الدر المنظم» للعزفي، وكلا العالمين من مدينة سبتة، وصولاً إلى «دلائل الخيرات» للإمام الجزولي الذي شكّل شعاراً في تعبئة المغاربة لتحرير الثغور المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث. هذه الإشارة، التي لقيت صدى واسعاً في الإعلام الإسباني، لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل لمست وتراً عميقاً في وجدان كل مغربي يرى في سبتة ومليلية امتداداً حياً لهويته وتاريخه.
فمن يقف على ضفاف البوغاز، بين القصر الصغير والفنيدق، ويحمل نظره نحو المدينة المقابلة، يشعر بذلك الارتباط الوجداني الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة. فحين يظهر شموخ جبل طارق على الضفة الأوروبية، وتتجلى سبتة أمام العين كقطعة من الوطن مفصولة بسور وحدود، يغمر المرء شعور غريب يجمع بين الحنين والألم والأمل. تغرب العينان بتذكار أمجاد الإسلام والمغاربة الذين عاشوا على هذه الضفة من المغرب الأقصى، ويهمس القلب: لعل الله يحييني ليوم استرجاع هذه الثغور. فالجغرافيا هنا لا تُكذب التاريخ، ولا تستطيع أي قوة أن تفصل بين المغربي وبين هذه البقعة التي كانت منارة لفكر العالم الإسلامي على حدود البحر المحيط حيث اختار الجزولي مقامه و خُلوته.
الجذور التاريخية التي تسكن الوِجدان !
تعود سيطرة القوى الأوروبية على المدينتين إلى أوائل القرن الخامس عشر، في سياق ضعف الدولة المرينية وصعود حروب الاسترداد . سقطت سبتة في يد البرتغاليين يوم 21 غشت 1415، لتصبح أول قاعدة كبرى لتوسعهم في شمال إفريقيا، بعد أن ظلت ضمن المجال الإسلامي لقرون تحت حكم الدولة المغربية. انتقلت لاحقاً إلى السيطرة الإسبانية مع اتحاد العرشين عام 1580 باتفاق، ثم ثبتت تبعيتها لإسبانيا بموجب معاهدة لشبونة عام 1668. أما مليلية فاحتلها الإسبان الفرنجة عام 1497، بعد سقوط غرناطة بسنوات قليلة.
ظل المغاربة يحاولون استعادتهما جيلاً بعد جيل. فرض السلطان المولى إسماعيل حصاراً طويلاً على سبتة امتد عقوداً، كما حاصر السلطان محمد بن عبد الله مليلية عام 1774. وبعد اعلان الاستقلال عام 1956، أدرجت الرباط المدينتين والجزر المجاورة ضمن مطالب استكمال الوحدة الترابية، معتبرة إياها بقايا استعمارية. هذا التاريخ و ليس صفحات مستقطعة من كتب، بل جزء من الذاكرة الجماعية التي تجعل كل مغربي، حين يرى سبتة من الضفة الأخرى، يشعر أنها أرضه، وأن علمائها – القاضي عياض والعزفي – هم أسلافه الذين أضاءوا الفكر الإسلامي من هذه البقعة بالذات.
تحول موازين القوى و تقوي الوِجدان المغربي !
لم تعد معادلة غرب المتوسط كما كانت. شهدت العقود الأخيرة صعوداً مغربياً على المستويات الاقتصادية والاستراتيجية والدبلوماسية. كما أصبح المغرب فاعلاً محورياً في قضايا الهجرة والأمن والطاقة والممرات البحرية عبر مضيق جبل طارق، مع تعزيز تحالفاته الدولية، بما في ذلك الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء المغربية عام 2020، وتقارب أوروبي متزايد مع موقفه. في المقابل، تواجه إسبانيا اليوم، تحديات تجعلها أكثر حساسية تجاه أي تذكير بحدود سبتة ومليلية، اللتين تشكلان الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي على اليابسة الإفريقية، و هذا ما ينفيه المغرب أمام الأمم المتحدة، مؤكدا أن لا حدود برية تجمعه مع أوربا.
أظهرت أزمات الهجرة كيف يمكن أن تتحول الحدود إلى أداة في إدارة التوازنات. لكن وراء هذه الحسابات الاستراتيجية يظل الجانب الإنساني والوجداني هو الأعمق. فالمغربي الذي يقف على شاطئ الفنيدق لا يرى مجرد جيبين سياسيين، بل يرى قطعة من ذاته، ورمزاً لاستمرارية تاريخه الذي انطلق من هذه الأرض نحو الأطلسي والعالم.
دلالات التوقيت ورسالة الوجدان !
اختيار مناسبة المولد النبوي ليس اعتباطياً من الوزير المخضرم. فهو ربط الذاكرة الدينية – كتب سبتة و«دلائل الخيرات» كشعار للتحرير – بالحق التاريخي والشعور الوطني. يأتي ذلك في مرحلة تشهد تعاوناً مغربياً-إسبانياً في ملفات أخرى، مع الحفاظ على الثوابت. الإعلام الإسباني الذي أولى التصريحات اهتماماً استثنائياً عكس حساسية مدريد تجاه الوضع الحالي، خاصة في ظل التحولات التي تجعله أقل استدامة.
الصورة الأكبر :
لا يمثل تذكير التوفيق مجرد استحضار تاريخي أو حسابات جيوسياسية. لانه عبر عن وجدان كل مغربي حُر، يرفض أن تكذب الجغرافيا التاريخ، ويؤمن بأن الارتباط بهذه الأرض أقوى من الأسوار والحدود. التوفيق قرأ رسالة هادئة تؤكد أن المغرب لا يتنازل عن حقوقه، وأن الأمل في استرجاع الثغور يظل حياً في قلوب أبنائه، جيلاً بعد جيل، على ضفاف البوغاز الذي يجمع ولا يفرق.
Comments ( 0 )