الدعم العمومي للصحافة: هل إعادة توجيه أم إلغاء

الدعم العمومي للصحافة: هل إعادة توجيه أم إلغاء

 

 

 

لم يعد النقاش حول الدعم العمومي للصحافة في المغرب يتمحور حول مبدأ وجوده من عدمه، وإنما أصبح يرتكز على جدواه الحقيقية وحدود تأثيره داخل القطاع. يرى البعض أنه ضرورة لضمان استمرارية المؤسسات الإعلامية، فيما يرى آخرون أنه آلية غير فعالة تعمق الاختلالات بدل معالجتها. مايطرح تساؤلا جوهريا: هل يؤدي الدعم العمومي وظيفته كما ينبغي ؟ أم أنه يحتاج إلى إعادة نظر شاملة؟

 

 

في الواقع لا يمكن فهم هذا النقاش خارج السياق الاقتصادي الصعب الذي يعيشه قطاع الإعلام، حيث يتميز في السنوات الأخيرة بتراجع الموارد الإعلانية، واشتداد المنافسة الرقمية، وتزايد هشاشة المؤسسات الإعلامية خاصة الصغرى منها. برز الدعم العمومي كأداة تدخلية تهدف إلى حماية التعددية الاعلامية وضمان حد أدنى من الاستمرارية داخل القطاع.

 

 

لكن، ورغم هذه الأهداف المعلنة فإن التجربة أظهرت أن تأثير الدعم لم يكن دائما في مستوى الانتظارات وهو مايتطلب ضرورة تقييمه بشكل هادئ بعيدا عن المواقف المتسرعة التي تدعو إما إلى إلغائه أو الدفاع عنه بشكل مطلق.

 

لماذا يظل الدعم ضروريا؟

 

مبدئيا، يصعب تصور قطاع إعلامي متوازن في غياب أي شكل من أشكال الدعم العمومي، خاصة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها اقتصاد الاعلام عالميا، فالصحافة بخلاف قطاعات أخرى لا تقوم فقط بوظيفة اقتصادية، بل تؤدي دورا مجتمعيا يرتبط بإنتاج المعلومة وضمان النقاش العمومي.

 

وفي هذا الإطار، تلجأ عدة دول إلى دعم الصحافة باعتبارها مرفقا ذا بعد عام، يساهم في تعزيز الديموقراطية وحماية التعددية. فالدعم في أصله ليس امتيازا ، وانما آلية تهدف إلى تصحيح اختلالات السوق التي قد تؤدي إلى احتكار الإعلام أو تراجع جودته.

 

 

بالنسبة للمغرب، ساهم الدعم العمومي خلال فترات معينة، خاصة في سياق الأزمات كجائحة كورونا في الحفاظ على استمرارية عدد من المؤسسات الإعلامية، وتفادي انهيار جزئي للقطاع. إلا أنه رغم أهمية هذا الدور يبقى محدودا إذا لم يترجم إلى أثر مملوس داخل الممارسة المهنية اليومية.

 

في هذا السياق، جاء المرسوم رقم 2.23.1041 الذي صادق عليه مجلس الحكومة في نونبر 2023، وتم نشره بالجريدة الرسمية مطلع 2024، كخطوة عملية نحو إعادة توجيه الدعم العمومي. وقد خصص خلال سنة 2023 غلاف مالي استثنائي يقدر ب 314 مليون درهم، حيث وجه أساسا لتغطية الأجور والاشتراكات الاجتماعية لفائدة المقاولات الصحفية المستوفية للشروط.

 

 

كما يقوم هذا المرسوم على ربط الاستفادة بعدد الصحفيين المهنيين المصرح بهم، محددا الحد الأدنى في 4 صحفيين، بالنسبة للمقاولات الالكترونية الصغرى، و 9 للمقاولات المتوسطة، و 14 لباقي المقاولات، مع اشتراط احترام الوضعية الجبائية السليمة، إلى جانب التصريح المنتظم بالأجور لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة إلى احترام الاتفاقيات الجماعية وعدم التعرض لعقوبات تأديبية من المجلس الوطني للصحافة، فضلا عن إحداث لجنة للدعم واعتماد نشر قائمة المستفيدين بشكل سنوي.

 

 

من حيث المبدأ، يعكس هذا التوجه محاولة الانتقال من دعم هيكلي عام موجه للمقاولة، إلى دعم يرتبط بالتشغيل ومؤشرات التنظيم المهني. غير أن فعالية هذا التحول تظل مرهونة بمدى تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، وبقدرتها على إحداث أثر ملموس داخل غرف التحرير، خاصة في ما يتعلق بتحسين أوضاع الصحفيين وضمان استقرارهم المهني

 

أين يكمن الخلل؟

 

لايرتبط الإشكال بوجود الدعم في حد ذاته، بل بكيفية توزيعه ومعايير الاستفادة منه، حيث يطرح عدد من الفاعلين داخل القطاع مسألة غياب التوازن في الإستفادة من خلال ذهاب جزء مهم من الدعم إلى مؤسسات قائمة بالفعل، دون أن ينعكس بالضرورة على تحسين أوضاع الصحفيين داخلها.

 

وفي ظل غياب معايير دقيقة تربط الدعم بالالتزامات المهنية، كاحترام عقود العمل أو ضمان الحد الأدنى من الأجور، يجعل من الصعب قياس أثره الحقيقي على جودة العمل الصحفي.

 

من جهة، يطرح موضوع الشفافية نفسه بقوة، حيث يبقى النقاش قائما على مدى وضوح آليات توزيع الدعم ونشر المعطيات المرتبطة بالمستفيدين، وهو عنصر أساسي لتعزيز الثقة داخل القطاع، إذ يخلق مفارقة واضحة: دعم موجود من حيث المبدأ، لكنه لا ينعكس دائما على الفاعل الأساسي داخل المهنة، أي الصحفي.

 

الدعم بين إنقاذ المقاولة وحماية المهنة

 

لعل أحد أبرز الإشكالات التي يطرحها النقاش المهني اليوم يتمثل في طبيعة الفلسفة التي يقوم عليها الدعم العمومي: هل هو موجه بالأساس لإنقاذ المقاولات الإعلامية؟ أم لحماية المهنة ككل؟

 

 

يبدو أن الدعم يهدف إلى تعزيز البنية الإقتصادية للمؤسسات الإعلامية من اجل الحفاظ على استمراريتها، غير أنه يصبح محدود الأثر في حال لم يُواكب بإجراءات تضمن وصول الدعم إلى داخل غرف التحرير، حيث تتحدد جودة العمل الصحفي فعليا. فالصحفي الذي يعمل في ظروف هشة، دون استقرار مهني أو حماية اجتماعية، لا يمكن أن يكون ركيزة لصحافة قوية مهما كانت وضعية المؤسسة التي ينتمي إليها.

 

نحو إعادة توجيه الدعم: ما الذي يمكن تغييره؟

 

تظهر تجارب دولية مختلفة أن فعالية الدعم العمومي لا ترتبط بحجمه فقط، وإنما بكيفية توجيهه ومعايير توزيعه كما يوضح الجدول التالي:

 

يتضح من خلال هذه المقارنة أن النماذج الأكثر فعالية هي التي تربط الدعم بشكل مباشر أو غير مباشر بالتشغيل وجودة المحتوى، مع اعتماد معايير شفافة تضمن وصول أثره إلى داخل غرف التحرير وليس فقط إلى البنية المالية المؤسسات.

 

في حالة كان خيار إلغاء الدعم غير واقعي، فإن إعادة توجيهه أصبح ضرورة ملحة. فالتجارب الدولية تظهر فعالية الدعم والتي تكمن في مدى ربطه بمعايير واضحة وقابلة للقياس. لذلك يمكن التفكير في عدد من المداخل الإصلاحية، أبرزها:

 

ـ ربط جزء من الدعم بعدد الصحفيين المصرح بهم داخل المؤسسة، بما يضمن انعكاسه على التشغيل.

 

ـ اشتراط احترام العقود المهنية كمعيار أساسي للاستفادة.

ـ توجيه جزء من الدعم مباشرة إلى التكوين المستمر وتطوير المهارات، خاصة في المجال الرقمي.

 

ـ تعزيز الشفافية عبر نشر معطيات مفصلة حول توزيع الدعم ومعايير الاستفادة منه.

 

تعتبر هذه الاجراءات مجرد مقترحات لمحاولة جعل الدعم العمومي أكثر ارتباطا بجوهر المهنة بدل الاكتفاء بدعم هياكلها.

 

ما الذي يمكن فعله غدًا؟

 

يطرح هذا التساؤل كخطوة حقيقية لجاوز المشاكل المطروحة في قطاع الصحافة والوصول الى حلول واقعية وناجعة تجعل هذه المهنة تتربع على عرش الشفافية المصداقية الوضوح والنزاهة والإستقلالية، وإعادة تعزيز الصحفيين مهنيا واجتماعيا واعتباريا واقتصاديا لأداء مهامهم بكل أريحية ودون الخضوع لأي ضغوطات من أي جهة كانت وعدم التبعية او الإنحياز مهما كانت الأسباب. لذلك يجب إعادة التفكير في الدعم العمومي للصحافة دون الاعتماد على منطق الإلغاء أو الدفاع غير المشروط، بل من سؤال بسيط هو : كيف يمكن تحويل هذا الدعم إلى أداة إصلاح حقيقية؟

 

الجواب لا يمكن في زيادة قيمة الدعم فقط، إنما في تحسين طريقة توجيهه وربطه بأهداف واضحة تتعلق بجودة العمل الصحفي وأثره فضلا عن حماية العاملين بالقطاع.

 

 

فالدعم الذي لا يصل إلى الصحفي، يظل دعمًا ناقص الأثر. والدعم الذي لا يعزز الاستقلالية، قد يتحول إلى عبء بدل أن يكون حلًا.

 

وفي هذا الصدد، فإن الحاجة إلى فتح نقاش مهني مسؤول حول مستقبل هذا الدعم، اصبحت تفرض نفسها بقوة يجب ان يشارك فيه مختلف الفاعلين من أجل بلورة نموذج أكثر فعالية وتوازن يضمن استمرارية المؤسسات الإعلامية دون التفريط في جوهر المهنة. فالدعم الذي لا يصل إلى الصحفي، ليس دعمًا للصحافة… بل دعمٌ لشكلها فقط

 

من جهة أخرى، يبقى السؤال المطروح بقوة هو : هل يمكن إعادة توجيه الدعم العمومي ليصبح رافعة حقيقية لإصلاح الصحافة المغربية؟ أم سيظل مجرد آلية لتأجيل أزماتها؟

 

وهو السؤال الذي يقودنا إلى محور أكثر عمقا، يتعلق بالوضعية المهنية والاجتماعية للصحفي نفسه، في ظل الضغوط المتزايدة التي يعيشها، وهو ما سنحاول التوقف عنده في المقالة القادمة.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .