الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة مستقبل المالية في مراكش: ندوة تكشف المبادئ العشرة وتحذر من التسارع بلا أخلاقيات
في قلب أحد أرقى فنادق مراكش، وتحت شعار «SVS Morocco 2026»، انطلقت نهاية الأسبوع الماضي ندوة استثنائية بعنوان «الذكاء الاصطناعي ومستقبل المالية: الابتكار والحوكمة والتحول الرقمي». الندوة التي جمعت خبراء من وزارة الاقتصاد والمالية وأكاديميين ومقاولين، جاءت في توقيت بالغ الدلالة ..بعد يومين فقط من الاختراق الهائل الذي ضرب منصة بينانس، وقبل انطلاق المعرض التجاري الذي استقطب مئات الشباب والشركات العالمية من الخليج ومصر لعرض أحدث حلول التداول والترندينغ.
أدارت الجلسة الشابة يسرى حلومي، وشارك فيها أحمد الدحوكي (مراقب مالي من مديرية المقاولات العمومية والخوصصة بوزارة الاقتصاد والمالية)، والبروفيسور محمد خليل (أستاذ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والحوكمة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء)، ومحسن لخديسي (أستاذ ومقاول مختص في الدراسات الاستراتيجية والرقمنة). امتلأت القاعة بالحضور و التفاعل بلغات حية اثقنها الشباب الحاضر، ورفعت الهواتف لتوثيق اللحظات، بينما كانت الشاشات العملاقة تعرض صور المتحدثين وعناوينهم المهنية.

عشرة مبادئ لحماية النظام المالي :
كان أبرز ما خرجت به الندوة الإعلان عن عشرة مبادئ أساسية يجب أن تحكم استعمال الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، قدمها البروفيسور محمد خليل بوضوح:
1. السلامة
2. الأمن
3. الخصوصية (مع الإشارة إلى القوانين المغربية والتشريعات التي تنتظر الصدور)
4. الإنصاف (اتخاذ قرارات دون تمييز، مستشهداً بفشل خطة التوظيف التي أطلقتها أمازون بمساعدة الذكاء الاصطناعي)
5. الموثوقية (مالية أو اجتماعية)
6. المتانة (Robustness)
7. الشفافية
8. قابلية التفسير
9. المسؤولية قبل اتخاذ القرار
10. المساءلة بعد القرار

و أكد البروفسور خليل أن هذه المبادئ ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة عملية لحماية النظام المالي من التحيزات والأخطاء التي قد تكون كارثية، وضمان توافق التكنولوجيا مع القيم القانونية والاجتماعية المغربية.
رؤية جريئة وتحذير أخلاقي :
و هذا ما برع فيه الاستاذ محسن لخديسي بلغة دارجة اقرب الى الجمهور الحاضر، فقد رسم صورة مستقبلية جريئة للقطاع البنكي. قال إن الذكاء الاصطناعي طور نفسه بنسبة 80% انطلاقاً من نماذج متقدمة مثل Claude، وتمكن من تطوير رموز الدخول. وأضاف: يمكن للبنوك غداً أن تطور نفسها وتصلح أخطاءها وتؤمن ذاتها وتوائم القوانين المتغيرة تلقائياً. هذه مؤسسات بنكية رقمية معززة بالذكاء، أصبحت وكيلية، وتستطيع التطور بشكل تلقائي. مؤكدا أن هذا سيغير النظام الحالي جذرياً، لأن الخدمة الحالية مكلفة وبطيئة بالنسبة للمديرين. أتصور أننا سنمر من البنك الوكيلي إلى البنك الذي يتطور تلقائياً، في القريب العاجل.

ولم يخلُ حديث لخديسي من تحذير عميق. روى أنه تبادل الرأي مع مؤرخ وصحفي وعالم رياضيات على هامش الندوة، واستنتجوا كيف أن بعض المعادلات حُلت بواسطة الذكاء الاصطناعي. ثم أشار إلى تصريحات توماس فريدمان عن جنس جديد، وإلى من يتحدثون عن الإله في سياق الحديث عن ديانة جديدة من وحي الذكاء الاصطناعي، معتبراً ذلك أمراً خطيراً. وتساءل: «كيف نملأ السماء بالفراغ؟ وعندما تغيب الأخلاقيات، فأي موجة ستعصف بنا؟
وأكد أن هذه التكنولوجيا تحتاج إلينا. لأن أغلب المطورين حاليا ملحدون. مستشهدا بحديث موسى عليه السلام: “أتعبدون ما تنحتون؟!” -سكون يلف القاعة- أما نحن كمسلمين ومغاربة، فعلينا أن نكون في صلب تطوير الذكاء الاصطناعي، لأن هذا الذكاء طُور من جهات تعلمونها لقتل الأبرياء. وهناك في بؤر التوتر حول العالم أمثلة كثيرة نشاهدها يومياً تتناسل علينا عبر الشاشات و المواقع.
حضور حي ورسالة واضحة :
الصور و المشاهد التي وقفت على توثيقها عدسة المنظور من القاعة اظهرت مدى الاهتمام: جمهور متنوع يملأ المقاعد، ومتحدثون يناقشون بهدوء على المسرح، وشاشات عملاقة تعلن عن «Panel Discussion» بجانب شعارات «Exness» و«Smart Vision». وفي الأروقة، كان الزوار يتبادلون الأحاديث أمام لوحات الترحيب بـ«SVS Morocco 2026» و كؤوس الشاي بالأعشاب تضخ دماء متجددة، في أجواء تجمع بين الفخامة المغربية والطموح التكنولوجي العالمي.
منظور أوسع :
هذه الندوة لم تكن مجرد جلسة نقاش، بل لحظة تأمل جماعي في كيفية جعل المغرب لاعباً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي المالي، بدل أن يظل مستهلكاً له. المبادئ العشرة التي طرحها البروفيسور خليل، والرؤية الاستشرافية والتحذيرية التي قدمها لخديسي، تشكلان معاً خريطة طريق واضحة تجلت …في..
الصورة الاكبر :
الذكاء الاصطناعي سيغير قواعد اللعبة لا محالة، لكن الأخلاق والحوكمة والانتماء الثقافي هي ما سيحدد هل سيكون هذا التغيير لصالح المغرب أم ضده.
Comments ( 0 )