تخليق القضاء بالمغرب: أرقام صادمة وجهود حازمة تُرسّخ الاستقلال والنزاهة
شكل تخليق المنظومة القضائية ركناً استراتيجياً أساسياً في عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عبر مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والتأطير والحزم في المساءلة. ويُبرز التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7547 مكرر، جديةً ملموسة لهذا الركن في ترسيخ قيم النزاهة والاستقلال والحياد، مع أرقام تعكس ارتفاعاً ملحوظاً في المساءلة والتتبع الدقيق، بما يسمو بالفعل القضائي ويحمي استقلاليته من أي إخلال.
و ركز المجلس على تطوير آليات التخليق من خلال تعزيز دور لجنة الأخلاقيات ودعم استقلال القضاة. وفي هذا الإطار، استفاد الملحقون القضائيون للفوج 48 من برنامج تكويني متكامل حول مدونة الأخلاقيات القضائية بالتنسيق مع المعهد العالي للقضاء، كما يبرز ذلك التقرير. وتواصلت اللقاءات التواصلية الفردية مع القضاة المعنيين بتقارير أخلاقية، إلى جانب تنظيم لقاء جهوي بمكناس حول التزام القاضي بواجب التحفظ وأثره المباشر على حياده واستقلاله.
امتدت المقاربة التأطيرية عبر مستشاري الأخلاقيات بالدوائر الاستئنافية، الذين نظموا 116 نشاطاً تأطيرياً وتواصلياً (60 لفائدة قضاة النيابة العامة و56 لفائدة قضاة الحكم). وتوصلت لجنة الأخلاقيات بـ51 تقريراً سنوياً عن أنشطتهم، إضافة إلى ست إحالات مرتبطة بقضايا أخلاقية. وفي مجال الشفافية، فعّلت لجنة الفحص المنتظم لتصريحات القضاة بممتلكاتهم ومداخيلهم، كما صدرت دورية الرئيس المنتدب بتاريخ 12 فبراير 2025 تحت عدد 25.03 لتجديد التصريح. و نُشر 151 مقرراً تأديبياً بعد حذف المعطيات التعريفية، بما يوضح القواعد المهنية ويعزز الثقافة المؤسساتية.
على صعيد المقاربة التأديبية، تجلت الجدية بأوضح صورها. إذ باشرت المفتشية العامة للشؤون القضائية فتح 195 ملفاً جديداً خلال 2025، وانتهت الأبحاث في 181 ملفاً رُفعت تقاريرها النهائية. وبت المجلس في 76 ملفاً تأديبياً شمل 118 قاضياً، أسفرت عن: 4 حالات إحالة إلى التقاعد الحتمي، و12 حالة إقصاء مؤقت عن العمل مع الحرمان من الأجر أو النقل، و49 حالة إنذار وتوبيخ (38 إنذاراً و11 توبيخاً)، و32 حالة عدم مؤاخذة مع إثارة الانتباه. وارتفع عدد القضاة المؤاخذين فعلياً إلى 68 قاضياً مقابل 35 سنة 2024، بزيادة نسبتها 92%، وهو رقم يعكس حزماً غير مسبوق في المساءلة دون المساس باستقلالية السلطة القضائية.
في التفتيش القضائي المركزي، نفذت المفتشية أحكام القانون رقم 38.21 بزيارة 26 محكمة وإعداد 19 تقريراً نهائياً، لتتبع مؤشرات الأداء ورصد إكراهات البنيات والتجهيزات والرقمنة والتبليغ، مع اقتراح توصيات عملية. أما التفتيش اللامركزي المنفذ بالكامل لسنة 2025، بالتنسيق مع الرؤساء الأولين والوكلاء العامين للملك، فبلغت نسب إنجاز التقارير به : 92% للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة على مستوى الرئاسة، و97% على مستوى النيابة العامة، و86% للمحاكم التجارية، و85% للمحاكم الإدارية. هذه النسب المرتفعة تؤكد تتبعاً دقيقاً لأداء المحاكم ورصد الاختلالات، بما يساهم في تثبيت قواعد الشفافية والحكامة القضائية.
تُظهر هذه الأرقام والمحطات – من التكوين واللقاءات التأطيرية إلى الارتفاع الكبير في المتابعات التأديبية والتفتيش الشامل – التزاماً مؤسساتياً متواصلاً بتفعيل آليات المراقبة والمساءلة والتقويم. ويخلص التقرير إلى أن نشر الاجتهاد التأديبي يعكس رغبة المجلس في إرساء ثقافة استباقية توضح ضوابط الحياد والتجرد، وتضمن دراسة الملفات بتأنٍ مع احترام الآجال المسطرية والوقار الواجب للعمل القضائي.
منظور أوسع :
بهذه الجهود الحازمة، يُسهم المجلس في رفع كفاءة الإدارة القضائية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين، وحماية القضاء من أي إخلال بالواجبات المهنية، بما يسمو باستقلاليته ويرسخ الثقة فيه.
Comments ( 0 )