رحلة كلاب الحارسة… و كيف حاولنا الوصول إلى المعزل قبل أن يصلنا المراقب
كنت أتابع أوضاع الصحافة المغربية و إنتاجها متابعة لصيقة – قبل الالتحاق بها ـ خاصة أولئك الصحفيين الأجلاء المقتدرين الذين أكنّ لهم كل الاحترام… إلى أن جاء موعد الاقتراع الذي سيفرز تشكيلة ممثلي الصحفيين في المجلس الوطني للصحافة، النسخة الجديدة بعد دخول قانون التنظيم الذاتي حيز التنفيذ. راهنتُ على سباق وصول كلاب الحراسة إلى المجلس، وانتظرتُه بفارغ الصبر. ففي موازاة هذا الحدث الفارق، كانت أحداث أخرى مصيرية تتشكل في أفق كل صحفي، خاصة نحن الهجينين، الذين نبدو مستقلين من الخارج بينما نعيش الاستقلال الحقيقي من الداخل.
أصرّت الوالدة على أن ألتحق بمكتب التصويت. لانها كانت شاهدة على المعركة التي نزلنا ساحتها منذ ست سنوات عجاف. وعدتُها بابتسامة ترضيها، ثم اتصلتُ بزميلتي سناء لأحدد موعد اللقاء ومكانه قبل الانطلاق. بعدها اتصلتُ بصديق من الدوائر المقربة ليحجز لي تذكرة قطار من آسفي إلى الدار البيضاء، ثم من البيضاء إلى الرباط على متن البراق. الخصم الذي يوفره القطاع الذي يشتغل به كان مغرياً جداً… حتى لو لم أكن من ذلك القطاع.
انطلقتُ في الصباح الباكر. لم أذق طعم النوم تلك الليلة: الحرارة من جهة، والهواجس التي تنتظرني في العاصمة من جهة أخرى. لم يكن لقاء زميلتي وحده المقرر؛ كان هناك أكثر من ألف صحفي متوجهين إلى المعهد العالي للإعلام والاتصال، وكانت هناك أمور كثيرة ننتظر مناقشتها وجهاً لوجه حول أوضاعنا ومستقبل صاحبة الجلالة التي عشناها بالممارسة والشغف… وبتوجس دائم ممن يقترب منا.
وصلنا المعهد. انتظرنا طويلاً. حاولتُ أن أخرج رفيقتي من دوامة الهواجس التي كانت تلتهمها عن المستقبل. حكيتُ لها عن رحلتي من آسفي، وكيف نجوتُ بأعجوبة من مراقب تذاكر القطار الذي أدرك فوراً أنني لستُ من قطاع المالية. كنتُ أركب البراق بشكل… غير قانوني تماماً. أنا، الصحفي المهني الحامل لبطاقة مهنية! سألتني سناء مستنكرة: «كيف تجرؤ؟» أجبتها بابتسامة مرتبكة: «البطاقة المهنية لا تشفع عند المراقب إذا كان الخصم خاصاً بقطاع آخر». لحسن الحظ مرت الأمور بخير، دون أن أدفع الغرامة التي تصل إلى ألف درهم. سيدة جالسة بجانبي حاولت بلطف أن تدفع عني، لكن المراقب اكتفى بتحذيري بعد أن جسّ نبضي: «هذه آخر مرة يا ولد الناس». في الحقيقة، لم يحترمني أحد في ذلك اليوم أكثر من هذا المراقب الجميل المؤدب. كأنه يعرف ظروفنا نحن حاملي هذه الرسالة الغريبة التي تُدعى الصحافة.
بعد أن أدركنا أن تسجيل الأسماء وانتظار الدخول إلى المعزل سيستغرق ثلاث ساعات على الأقل، توجهنا إلى مقهى المحطة حيث ينتظرنا المدير العزيز الذي لم نلتقه منذ أكثر من سنة.
ـ تشرب ليمون يا هشام؟
ـ ماذا تشربين يا سناء؟
شربت سناء كأس الليمون، وطلبتُ أنا مياه غازية. نسيتُ ماذا شرب المدير. المهم أننا اطمأننا على أحوال بعضنا. كلنا نتقارب في الأعمار ونختلف في المسارات الدراسية، لكننا نتفق على شيء واحد: مواصلة السير. سألني المدير مبتسماً: «لمن ستصوت أيها الشقي؟» أجبتُه بصرامة اعتدناها بيننا: «صوتي للنساء… وبعض الوجوه التي راكمت تجارب مهنية خالصة». ابتسم نظرة حيرة، فضحكت زميلتنا، وتحولت الطاولة فجأة إلى مفاوضات ومشاحنات ودية في إطار الزمالة. كلنا بدأنا من نقطة الصفر، قبل أن تلتحق بنا زميلتنا ذات التكوين القانوني الذي صقلته ممارسة الصحافة.
حاولنا أن نبقي الأجواء حميمية رغم الإكراهات. تعاهدنا ألا نفترق. عهدنا هذا جعل الكثير من الشباب ينسحبون منذ البداية، وآخرين في منتصف الطريق. مهنة المتاعب ليست مفروشة بالورود، إلا إذا كنت تحمل معك قيماً ومبادئ وتوجهاً واضحاً. الجميل أننا لم نآخذ على بعضنا شيئاً منذ البدايات: تلك البدايات التي أزعجت وزاحمت وناضلت من أجل مكانة لم ندرك متى حلت.
عدت مع “الرفيق” إلى المعهد لنتأمل الجسم الصحفي من بعيد. كانت لنا رؤية شبه مشتركة عمن سنصوت له. حافظنا على السرية حتى خرجنا من المعزول، ثم أفصحنا لبعضنا… كأنها نكتة اتفقنا عليها مسبقاً. وقبل المغادرة لمحنا رئيسنا السابق في المجلس جالساً على مقعد الانتظار الذي كنا نتقاسمه. تبادلنا الحديث قليلاً. استفسرناه عن القادم، ليس بحثاً عن تصريح صحفي، بل عن طمأنينة. تقاسم معنا ما لم يقله أمام الكاميرات. كأنه يرى فينا أيام شبابه، ونحن نرى فيه جزءاً من مستقبلنا.
ها نحن نودع مرحلة بتجاربها، ونعود إلى العمل والتعب الذي أصبح جزءاً من يومياتنا. على الأقل شهدنا مرحلة انتقالية جعلتنا ندرك الكثير. نكنّ لها كل الامتنان على ما علمتنا، وما كشفت لنا، وما أضافت إلينا. استطعنا ألا نكون متذمرين ولا مشتكين ولا متباكين. قابلنا صعوبة الظروف بالابتسامة، وقلة (ادوات الدخول) بالكافيين، وقلة اللوجستيك والمردود المالي بالكتابة بصدق. نهجنا لا يحتاج إلى امتيازات ولا ريع ولا اصطفاف. حسبنا استقلاليتنا بعملنا، وكسبنا صداقات وزمالة لا تُقدّر بثمن… كما كسبتُ ذلك اليوم احترام مراقب قطار واحد، وثقة من يُشرفون.
وهكذا انتهت حكاية 15 شتنبر: رحلة طويلة، تذكرة مستعارة، أصوات نسائية، وقهقهة في مقصف المعهد جعلت الطلبة يلتفتون إلينا متسائلين: هل هؤلاء هم كلاب الحراسة حقاً؟
Comments ( 0 )