صلاة “معاريف” تفتح نقاش الحساسيات والتعايش في أرض الروافد

صلاة “معاريف” تفتح نقاش الحساسيات والتعايش في أرض الروافد

 

 

 

 

لم تكن صلاة “معاريف” التي أداها سياح يهود أمام أسوار باب دكالة بمراكش مجرد طقس تعبدي عابر، بعد تحولها إلى مرآة عكست تعقيدات المشهد الثقافي والسياسي على السوشل ميديا في مغرب الألفية الثالثة.

 

الواقعة، التي وثقتها العدسات وأثارت لغطاً واسعاً، لا يمكن قراءتها بمعزل عن العمق التاريخي لجهة مراكش-آسفي، التي طالما كانت موطناً للتعددية؛ فمن “ملاح” المدينة الحمراء الذي يفوح بتاريخ العائلات اليهودية المغربية، إلى الصويرة وآسفي الوحيدة في المغرب التي لم تخصص حيا لليهود اللذين عاشوا في انسجام مع النسيج المجتمعي لعاصمة عبدة التي احتضنت اضرحة الشرفاء اليهود، اللذين لا زالوا مزارا لليهود من كل بقاع العالم ، من اولياء بن زميرو السبعة يمتد إرث روحي نحو العالم يفسر لماذا يرى الزائر اليهودي في جهة مراكش أسفي أرض امتداد لهويته.

 

وتؤكد الإحصائيات الرسمية هذا الارتباط الوجداني والاقتصادي، حيث شهدت تدفقات الزوار اليهود (من أصول مغربية أو غيرهم) قفزة نوعية في السنوات الأخيرة، إذ تشير التقديرات إلى أن المغرب يستقبل سنوياً ما بين 200 ألف إلى 250 ألف زائر يهودي، مع طموحات رسمية تهدف للوصول إلى نصف مليون زائر، خاصة مع تنامي سياحة الهيلولة والمواسم الدينية التي تضخ دماءً جديدة في شريان الاقتصاد المحلي بجهة مراكش.

 

وفي خضم الجدل الذي صاحب صلاة المساء “معاريف” في الفضاء العام، جاء تصريح جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بمراكش، ليضع الحدث في سياقه الاضطراري، موضحاً أن ضيق الوقت وبعد المسافة عن المعابد الرسمية كـ “صلاة العزامة” هو ما دفع هؤلاء السياح للتعبد في مكانهم، بعيداً عن أي نية للاستفزاز.

 

غير أن هذا التبرير اصطدم بحساسية الشارع المغربي الذي يعيش على إيقاع ارتباط وجداني بالقضية الفلسطينية، مما خلق انقساماً بين من رأى في المشهد تكريساً لنموذج التعايش المغربي الفريد تحت ظل إمارة المؤمنين، وبين من اعتبره تجاوزاً للأعراف التي تقتضي أداء الشعائر الجماعية داخل دور العبادة المخصصة لها، احتراماً لرمزية الفضاءات التاريخية والظرفية السياسية الراهنة.

 

إن الحل لا يكمن في تغذية هذا الانقسام، بل في استثمار نموذج لترميم التفاهم المشترك؛ وذلك عبر مأسسة التوجيه الثقافي للسياح لضمان احترام قدسية الأماكن العامة، وتعزيز الوعي الشعبي بأن قوة المغرب تكمن في روافده العبرية والأندلسية والأمازيغية كما كرسها الدستور.

 

إن استيعاب هذه التدفقات البشرية التي تمثل جزءاً هاماً من القوة الناعمة للمملكة، يتطلب موازنة دقيقة تديرها الدولة بحكمة، تضمن للزائر أمنه الروحي وللمواطن كرامته ومشاعره الوطنية.

 

فمراكش، التي استوعبت عبر العصور صلوات الأديان وترانيم الحضارات، قادرة اليوم على تحويل هذا الجدل إلى فرصة لتعميق حوار الحضارات، مؤكدة أن الاستثناء المغربي ليس شعاراً بل هو ممارسة يومية تتطلب ذكاءً في تدبير الاختلاف وصيانة العيش المشترك تحت سقف القانون والاحترام المتبادل.

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .