نظرة أعمق… أو كيف نستعيد الدهشة في زمن الاعتياد
جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، عن النبي ﷺ: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”. هذه النظرة النبوية ليست مجرد وصية أخلاقية، بل هي دعوة فلسفية عميقة لإعادة تشكيل وعينا بالوجود. فالنظر إلى الأسفل ليس تقليلاً من قدر الآخر، بل هو تحرير للذات من سجن المقارنة التي تُفرغ النعمة من معناها.
من خلال ممارستي المهنية، واهتمامي الدائم بأوضاع الصحة النفسية، أدركت أن التعاسة التي نعيشها غالبًا لا تنبع من الواقع نفسه، بل من (النظرة) – نظرة الآخرين إلينا، ونظرة أعمق من ذلك: نظرتنا إلى أنفسنا.
لست أعني النظر إلى المرآة، بل التقييم المعرفي الداخلي لسلوكنا ومشاعرنا، ذلك التقويم الذي يصبح مرآة اجتماعية حسب مفهوم الذات الزجاجية (Looking-Glass Self) الذي طوره تشارلز كولي.
نحن نرى أنفسنا كما نتصور أن الآخرين يروننا، فتتحول أعين الناس إلى محكمة دائمة، وتتحول أنماط سلوكنا اليومية إلى أداء مسرحي يستهلك طاقتنا العاطفية.في تجربتي الشخصية، أجد أن سعادتنا لم تعد حالة وجودية طبيعية، بل أصبحت مشروعا يجب أن نسعى إليه باستمرار.
أتذكر كيف كنت أراقب نفسي في رحلات الحياة: أسعى بكل حرارة وراء الأشياء التي أقتنع بها، وعلى رأسها السعادة التي صارت تطاردني أينما ارتحلت. لكن غيابها أصبح اليوم حقيقة جماعية صامتة.
نحن نُخفي سعادتنا عن الآخرين خوفًا من أن تبدو ترفًا، بينما نغرق في بحر من المحتوى الرقمي والكتب التي تبشرنا بـ«كيف تصبح سعيدًا» – بافتراض ضمني أننا بائسون بالأصل. في كل مكتبة، عشرات العناوين على رفوف الأكثر مبيعًا تُقدم نفسها كمنقذة: «لا تحزن»، «كيف تعيش الشعوب الإسكندنافية بسعادة»، «وزارة السعادة الإماراتية»، «مدرسة السعادة»، «حي السعادة»… حتى أصبحت السعادة سلعة استهلاكية، وصحافتنا التقليدية عارفة في التركيز على المشكلة فتُعمق الجرح بدل أن تشفيه.
هنا يأتي دور «صحافة الحلول» التي أؤمن بها: لا نكتفي بتشخيص الداء، بل نبحث عن السبل العملية للشفاء من داخل الكينونة نفسها. فلماذا نستمع باهتمام شديد لكل من يعرض علينا «حلًا» للسعادة، حتى لو لم نرَ أنفسنا بائسين تمامًا؟ أليس ذلك تعبيرًا عن طمع إنساني أصيل، أم عن رذيلة الاعتياد التي تجعلنا ننام في «عسل الشهوات» كما وصفها بعض الحكماء؟في علم النفس الاجتماعي الذي أصبحت اهتم به بعد دراستي الأكاديمية في تخصص سيكولوجيا العمل، أرى أن العطب الحقيقي ليس في الواقع – وإن كان مريرًا – بل في إدراكنا له.
الاعتياد يخدر الدهشة الأولى، تلك الدهشة التي جعلت الفلاسفة يتأملون بعد الإحباط. كما قال هيغل: «المألوف هو غير المعروف». نشم الوردة فترة طويلة فتفقد رائحتها، ونتأمل أجمل المشاهد فتصبح عادية. هذا الخدر الوجودي هو ما أسميه «ثنائية القطب الاجتماعية»: خط رفيع بين التعاسة والسعادة، يجعل المجتمع يتأرجح بين قطبي الاحتقان الداخلي وفقدان القدرة على الامتنان.فأين سبل الخروج؟
أولها: الهرب المؤقت – ليس هربًا جبانًا، بل استراتيجية وجودية واعية. كما قال الشاعر الشعبي: «عندها ظروف». لو حاصرك الروتين حتى اعتادت كل خلية عصبية عليه، فأفضل طريقة لتجديد الامتنان هي أن تبتعد. أيام قليلة من السفر أو الانفصال الواعي، وتعود مشتاقًا حتى لكأس القهوة الصباحية.
هذا ما عبرت عنه الممثلة جودي فوستر في مقابلتها الشهيرة: الابتعاد يُعيد للروتين طعمه الأول.وثانيها، وهو أعمق: قوة الخيال. العقل البشري لا يفرق بين الخيال والواقع؛ فكما يوقظنا كابوس سيء فنغدق من حولنا بحب مفاجئ، يمكن للخيال أن يفعل العكس. تخيّل غياب كل شيء – القهوة، الضوء، الصوت، الوجود نفسه – فيعود إليك كل شيء بهاءً جديدًا. هذه ليست نصيحة شعرية، بل ممارسة نفسية-اجتماعية مثبتة: إعادة تقييم معرفي (Cognitive Reappraisal) يعيد بناء الإدراك ويحررنا من أسر الاعتياد.في نهاية المطاف، السعادة ليست هدفًا خارجيًا نطارده، بل حالة كينونة داخلية نستعيدها كلما أعدنا النظر إلى أنفسنا والعالم بعين الدهشة الأولى.
من منظوري في ممارسة صحافة الحلول، أرى أن دورنا ليس أن نصف الاحتقان الاجتماعي، بل أن نقدم الأدوات التي تمكن كل فرد من إعادة اكتشاف الفرح في التفاصيل الصغيرة. فالسعادة ليست غائبة؛ هي فقط محجوبة عن أعيننا بالغبار اليومي. وكل ما نحتاجه هو أن ننفض هذا الغبار… بنظرة أعمق.
Comments ( 0 )