هجرة الشباب نحو سبتة… الخطاب الملكي يفتح نافذة الأمل لتجديد الثقة في الوطن

هجرة الشباب نحو سبتة… الخطاب الملكي يفتح نافذة الأمل لتجديد الثقة في الوطن

 

 

 

 

قبل أكثر من شهر، وبالضبط في 22 يونيو 2026، كتبت مقالا تحت عنوان “أنقذوا ما تبقى من الشباب فالقادم أسوأ”، حذرت فيه من أن استمرار فقدان الشباب للأمل قد يدفع عددا منهم إلى البحث عن المستقبل خارج أرض الوطن. ولم يكن الهدف آنذاك رسم صورة قاتمة أو تضخيم الحدث، بل التنبيه إلى أن الثروة البشرية هي أساس كل مشروع تنموي، وأن الحفاظ عليها يستوجب جعل الإنسان في صلب السياسات العمومية. واليوم، بعد الأحداث الأخيرة المرتبطة بمحاولات الهجرة نحو سبتة، عاد هذا السؤال إلى الواجهة بإلحاح أكبر: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين الشباب ووطنهم؟

 

لقد جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش هذه السنة ليقدم رؤية تتجاوز معالجة اللحظة، نحو ترسيخ مشروع تنموي طويل المدى. فالرسالة الأساسية التي حملها الخطاب لم تقتصر على استعراض ما تحقق من إنجازات فقط، إنما أكدت أن المرحلة المقبلة عنوانها مواصلة الإصلاحات الكبرى، وتحويل النمو الاقتصادي إلى أثر ملموس ينعكس على حياة المواطنين، وترسيخ روح الثقة والتفاؤل في مواجهة خطابات اليأس والإحباط.

 

وهنا يلتقي مضمون الخطاب الملكي مع جوهر الإشكال الذي كشفت عنه أحداث سبتة. فالشباب لا يحتاج فقط إلى دعوات للصبر، بل إلى آفاق حقيقية تمنحه الإحساس بأن مستقبله يُبنى داخل وطنه. ولذلك فإن المشاريع الصناعية الجديدة، وتوسيع الاستثمار، ودعم المقاولات، وتعزيز الولوج إلى التمويل، وتعميم الحماية الاجتماعية، ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل أدوات لإعادة بناء الثقة وصناعة الأمل.

 

كما أبرز الخطاب الملكي أن التنمية لا تقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي، وإنما ترتبط أيضا بتحسين ظروف عيش المواطنين، وهو ما يحمل دلالة عميقة مفادها أن نجاح أي نموذج تنموي يظل مرتبطًا بقدرته على الارتقاء بالإنسان، باعتباره الغاية والوسيلة في آن واحد، ولا يتأتى ذلك إلا باقتران الجدية والطموح بحسن التنزيل الفعلي لهذه الأوراش من طرف مختلف الفاعلين والمؤسسات.

 

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تقتصر على المعالجة الأمنية، بل تستوجب تسريع تنزيل المشاريع التي تخلق فرص الشغل، وتوسع آفاق الشباب، وتضمن عدالة مجالية واجتماعية تجعل ثمار التنمية تصل إلى مختلف الفئات والجهات لإعادة بناء الثقة بين الشباب والوطن وتعزيز روح الوطنية والحب المتبادل والعمل على تجاوز الصورة السلبية التي تختزلها العبارة المتداولة: “الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء”، من خلال ترسيخ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، حتى يشعر كل مواطن بأن الوطن يتسع للجميع.

 

إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع ليس نقص الإمكانيات، بل انتشار اليأس وخطابات الكراهية المؤديان إلى الاحتقان يوما بعد يوم. لذلك، فإن مواجهة خطابات الكراهية والإحباط لا تكون بخطابات مضادة، وإنما بسياسات ناجحة، وإنجازات ملموسة، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.

 

لقد أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة قدرته على إطلاق أوراش استراتيجية كبرى وتعزيز حضوره الاقتصادي والدولي. لكن، يبقى التحدي الأكبر هو أن ينعكس هذا المسار التنموي على حياة الشباب، حتى يشعر كل واحد منهم بأنه شريك في بناء المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.

 

إن أحداث سبتة يجب أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار، لكنها في الوقت نفسه فرصة لتجديد العقد المعنوي بين الوطن وشبابه. وإذا كان الخطاب الملكي قد رسم ملامح مرحلة تنموية جديدة، فإن نجاح هذه المرحلة سيقاس بقدرتها على تحويل الأمل إلى واقع، وجعل الثروة البشرية أكبر استثمار للمغرب في المستقبل، حتى يبقى الوطن فضاءً لتحقيق الطموح، لا نقطة انطلاق نحو المجهول.

 

ورغم تعدد القراءات التي صاحبت أحداث سبتة، بين من يفسرها بأبعاد سياسية أو استراتيجية أو تاريخية، فإن هذا المقال يتناولها من زاوية اجتماعية بالأساس، باعتبارها مناسبة لإعادة التفكير في مستقبل الشباب المغربي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تفسير ما وقع فحسب، بل في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لتعزيز الثقة، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وربط ثمار التنمية بواقع المواطنين. وعندما يشعر الشباب بأن وطنهم يوفر لهم فرص الكرامة والعمل والإنصاف، يصبح الانتماء قوة دافعة للبناء، وتتحول الثروة البشرية إلى الركيزة الأساسية لمغرب قوي، موحد، وطموح، يضمن لأبنائه العيش الكريم ويجعلهم شركاء حقيقيين في صناعة مستقبله.

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .