تحت المجهر: ثوريّون في الظاهر… وقلقون في العمق
يُقدَّم جيل زد غالبًا بصورة نمطية براقة: جيل ثوري معادٍ للاستبداد والرأسمالية، يقود تحولات جذرية في سوق العمل، ويرفع شعارات التغيير والعدالة في تحركاته و سكناته. غير أن السنوات التي تلت دخوله الفعلي إلى الحياة المهنية تكشف صورة أكثر تعقيدًا، تضيء عليها دراسات حديثة، وتبرز فيها الأبعاد النفسية بوضوح لافت.
وفق دراسة نشرتها مؤسسة غالوب، يحمّل أكثر من نصف الموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا وظائفهم مسؤولية تدهور صحتهم النفسية. وبالمقارنة مع الأجيال السابقة، يلجأ أفراد جيل زد إلى الإجازات المرضية بمعدلات أعلى، ليس دائمًا بسبب مرض عضوي حقيقي، بل في كثير من الأحيان كوسيلة للتّهرب من ضغوط العمل و الاستيقاظ الباكر. كما يعتقد نحو 30% من الموظفين بين 18 و24 عامًا أن علاقات العمل غامضة وصعبة الفهم والتعامل. وفي الوقت نفسه، يميل 9 من كل 10 موظفين من هذا الجيل إلى تجنب الأحاديث الشخصية في بيئة العمل بسبب القلق الاجتماعي، بينما أفاد 25% منهم بأنهم يمتنعون عن مشاركة أفكارهم في الاجتماعات خوفًا أو ارتباكًا.
هذه الأرقام لا تقتصر على أفراد هذا الجيل. ظاهرة القلق اضافة الى الريبة و التوجس ينتشرون داخل الفرق مثل عدوى. يكفي وجود شخص مرتاب وقلق في فريق عمل حتى تبدأ إنتاجيته بالتراجع، ويتحول التوتر إلى مناخ عام. والأرقام تدعم ذلك: في 2022 أبلغ 52% من إجمالي الموظفين في أمريكا وكندا عن شعور يومي مستمر بالتوتر في العمل. وفي بريطانيا ارتفعت نسبة المصابين بالقلق والاكتئاب المرتبطين بالعمل بنسبة 14% مقارنة بعام سابق.
لكن ما تفسير هذا التوتر غير المعهود؟
لا يوجد حتى الآن تفسير علمي قاطع، غير أن الطب النفسي يلخص الأمر بجملة دقيقة: «عدم اليقين هو وقود القلق». نشأ جيل زد وسط زخم معلوماتي هائل. لم يعرف معظم أفراده معنى الضياع أو سؤال الغرباء عن الطريق بفضل خرائط غوغل، ولا تجربة مطعم جديد دون قراءة التقييمات ورؤية الصور وقائمة الطعام مسبقًا. اعتادت الأجيال السابقة على ضبابية الحياة، وتعلمت الانتظار والتصالح مع غياب المعلومات و كثرة الوعود بالتغيير. أما جيل زد فقد نشأ في بيئة تعد باليقين والتحكم، حياة وردية كما تصورها مواقع التواصل، فلما واجه عالم العمل — بعلاقاته الغامضة وضغوطه غير المتوقعة — تحول عدم اليقين إلى مصدر قلق مزمن.
هذا البعد النفسي لا ينفصل عن السياق الأوسع. في المغرب، قاد أفراد هذا الجيل احتجاجات تطالب بتحسين أوضاع الصحة والتعليم، وعاشوا موجات هجرة عبر سبتة المحتلة بحثًا عن فرص أفضل. تحركات تعكس طموحًا مشروعًا، لكنها تكشف أيضًا هشاشة نفسية ناتجة عن فجوة بين التوقعات المرتفعة التي بناها الزخم المعلوماتي وبين واقع اقتصادي واجتماعي أكثر تعقيدًا وضبابية.
منظور أوسع :
لكل جيل تحدياته ومميزاته. والفرد المحظوظ هو من يدرك تحديات جيله ويتعلم التغلب عليها. بالنسبة لجيل زد، قد يكون التحدي الأكبر ليس فقط في تغيير بيئة التعليم أو سوق العمل، بل في بناء قدرة نفسية على التعامل مع عدم اليقين، وتحويل القلق من عبء إلى محفز للنضج والصمود. فالصورة الكبرى تبقى واحدة: الأجيال لا تُقاس فقط بشعاراتها الثورية، بل بقدرتها على مواجهة هشاشة نفسها في عالم لا يمنح يقينًا مطلقًا.
Comments ( 0 )