شبكونا 2.0: حكامة المعلومة السيادية بين استحقاق التحديث ومقاومة الشبكات

شبكونا 2.0: حكامة المعلومة السيادية بين استحقاق التحديث ومقاومة الشبكات

 

 

 

 

في صيف 2022، طرح مقال بعنوان «شبكونا» سؤالاً بنيوياً عن الكيفية التي تتشكل بها الشبكات المؤسساتية داخل محيط الإدارة، مستنداً إلى علم الاجتماع الاقتصادي ونظرية التنظيم. كان التشخيص آنذاك أن السلوك المشترك داخل هذه الشبكات يُنتج أنماطاً احتكارية تعوق تدفق الرساميل والفرص، وتحوّل المعلومة من مورد عمومي إلى امتياز مغلق. واليوم، بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 التي أعادت ترتيب مقاعد مجلس النواب من دون أن تمنح أي حزب أغلبية مطلقة، لم يعد السؤال تشخيصياً فقط. بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً (حصدها من القرى و المداشر)، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، فيما عاد حزب العدالة والتنمية إلى 54 مقعداً (مدفوعا من الأمصار)، وانخفضت المشاركة إلى 38.02 في المائة. هذا المشهد المجزأ، مع غياب أغلبية واضحة وانكماش الإقبال، يجعل من حكامة المعلومة اختباراً تنفيذياً لا مجرد شعار حداثي.

 

المنعطف الذي يجتازه المغرب لا يُختزل في تداول النخب أو في إعادة رسم الخريطة الحزبية. إنه امتحان لقدرة المنظومة على الخروج من «سباق المعلومة». الحداثة التنفيذية، بالمعنى الذي صاغه ماكس فيبر، ليست ترفاً فكرياً؛ هي انتقال من السلطة الباتريمونيالية، حيث الامتياز يمر عبر القنوات الشخصية والولاءات المغلقة، إلى السلطة العقلانية-القانونية التي تقوم على قواعد معلنة، وإجراءات قابلة للتحقق، ومساواة شكلية أمام المعيار. ثلاثة أركان تلخص هذا الانتقال: شفافية القواعد، رقابة رقمية تُنتج أثراً قبل وقوع الاختلال لا بعده، وتحييد امتياز السبق المعلوماتي.

 

في القطاعات الحيوية — السيادة، الاقتصاد والاستثمار، الحماية الاجتماعية، ودعم التماسك المجتمعي — لا يكمُن الخلل أساساً في غياب النصوص. الولاية السابقة للسيد أخنوش وضعت إطاراً تشريعياً واسعاً. بل الخلل في الفراغات التي تنشط داخلها شبكات الوساطة. هذه الشبكات، كما وُصفنا سابقاً، «تخلق عناصر النظم وقابلية التنبؤ لحساب مصلحتها الخاصة»: تُسرّب القرار قبل نشره، وتُرتب الاستفادة من الدعم والصفقات والامتيازات الاستثمارية قبل أن يصل النص إلى مستحقيه، ولنا في ظاهرة “الفراقشية” ابرز مثال. النتيجة أن الغاية التنموية تنكمش إلى غنيمة قطاعية، لتتحمل الميزانية كلفة هذا الاستهداف الخاطئ. في اقتصاد المعلومات يسمى هذا عدم تماثل معرفي؛ ونظرية الموكل-الوكيل في الإدارة العمومية ترى فيه انحرافاً حين يملك الوكيل معلومة لا يملكها الموكل (المواطن أو المؤسسة الرقابية) ويستعملها لتحويل الموارد.

 

هنا يصبح دور المؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة والتقنين حاسماً: المجلس الأعلى للحسابات، ومجلس المنافسة، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. الرقابة بأثر رجعي ضرورية لكنها غير كافية. الرهان هو رقابة رقمية استباقية تُفكك «مؤسساتية الشبكات» بفرض تدبير يجعل المعلومة الاقتصادية والمالية أفقية ومشاعة في التوقيت نفسه لجميع الفاعلين. هذا المطلب يجد سنده في تصور يورغن هابرماس للمجال العام: الشرعية لا تُستمد من الإعلان اللاحق عن القرار، بل من إمكان فحصه ومناقشته على قاعدة معلومات متكافئة. وحين تُحتكر المعلومة، ينكمش المجال العام إلى دائرة مغلقة، وتتحول المنافسة الشريفة إلى واجهة، ومواجهة بكل الأسلحة المتاحة كما شاهدنا في الحملة الانتخابية السابقة للانتخابات.

 

النخبة التي تتقدم اليوم لتحمل المسؤولية تحت عناوين التحديث والنجاعة تواجه تعاقداً مكشوفاً. الحداثة لا تبدأ من الواجهة الرقمية للقطاع الحكومي، بل من إنارة القنوات الداخلية للأحزاب نفسها. فيبر ميّز بين الزعامة الكاريزمية والإدارة المهنية؛ والخلط بينهما هو ما يُنتج «السمسرة الحديثة»: شبكات تقليدية تتغطى بمنصات إلكترونية من دون أن تتغير قواعد الولوج. اليقظة تقتضي ألا يصير التحول الرقمي قناعاً تكنولوجياً.

 

المعيار بسيط: هل تقلص السبق المعلوماتي للمحظوظين، أم أعيد إنتاجه بأدوات أحدث؟

 

في هذا الامتداد، تبقى الصحافة المهنية سلطة رقابية لا غنى عنها، خاصة مع القوانين الجديدة للتنضيم الذاتي، شريطة أن تتجاوز فضح الاختلال إلى ما يُسمى صحافة الحلول: رصد العطب، وصياغة البديل المؤسساتي القابل للتطبيق، وربط ذلك بمبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص. العبور نحو استقرار قابل للنمو لا يمر بتوسيع «شبكونا»، بل بتقليصها: من زمن تحتكر فيه قلة مسارات المعلومة والفرصة، إلى زمن تكون فيه القاعدة معلنة، والنزاهة معياراً قابلاً للقياس، والقانون هو مرجع التوزيع لا الشبكة. انتخابات 2026 لم تحسم هذا الانتقال؛ لكنها جعلت كلفة تأجيله أوضح.

 

 

Share
  • Link copied
Comments ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .