أزمة التعليم في المغرب: حين تتحول المدرسة إلى مصنع لإعادة إنتاج الفشل
بقلم البروفيسور محمد قصير
ليست أزمة التعليم في المغرب أزمة سبورة وطباشير، ولا أزمة مقررات مثقلة، ولا أزمة لغة تدريس فقط. إنها أزمة وطن بأكمله. فالمدرسة، في حقيقتها العميقة، ليست مؤسسة معزولة عن المجتمع، بل مرآته الأكثر قسوة. إذا أردت أن تعرف مصير بلد، فلا تنظر فقط إلى برلمانه أو اقتصاده أو شوارعه الكبرى، بل ادخل إلى قسم دراسي في قرية بعيدة، أو إلى مدرسة عمومية في هامش مدينة، وانظر إلى وجه طفل لا يفهم ما يُقرأ عليه، وأستاذ منهك، وإدارة عاجزة، وأسرة فقدت الثقة، ومنظومة تكرر الوعود نفسها منذ عقود.
لقد قيل للمغاربة كثيرًا إن التعليم أولوية. سمعنا ذلك في الخطب، والبرامج الحكومية، والرؤى الاستراتيجية، والمخططات الاستعجالية، والإصلاحات المتتالية. لكن السؤال الجارح هو: كيف يكون التعليم أولوية، وهو يواصل إنتاج الهشاشة نفسها؟ كيف تكون المدرسة رافعة اجتماعية، والطفل الفقير يدخلها فقيرًا ويخرج منها غالبًا أكثر وعيًا بفقره؟ كيف نتحدث عن تكافؤ الفرص، بينما يولد الطفل المغربي داخل نظامين تعليميين مختلفين: مدرسة عمومية منهكة لأبناء الشعب، ومدارس خاصة أو أجنبية لأبناء من يملكون ثمن النجاة؟
أزمة التعليم في المغرب ليست فقط في أن التلميذ لا يتعلم جيدًا، بل في أنه يتعلم باكرًا معنى اللامساواة. يتعلم أن زميلًا له في حي آخر يدرس بلغات أفضل، وأقسام أقل اكتظاظًا، وأنشطة أكثر، ومواكبة نفسية وتربوية أوفر، بينما هو يُطلب منه أن ينجح داخل قسم مكتظ، بلغة مرتبكة، وبرنامج ثقيل، وأستاذ مطحون، وأسرة لا تملك غالبًا إلا الدعاء. هنا تبدأ الخطيئة الأولى: المدرسة التي كان يفترض أن تقلص الفوارق، تتحول إلى جهاز لإعادة إنتاجها.
الأرقام لا تسمح لنا بالاطمئنان. فقد أظهرت نتائج PISA 2022 أن أداء التلاميذ المغاربة ظل متأخرًا في الرياضيات والقراءة والعلوم مقارنة بعدد كبير من الدول المشاركة، وهو ما يعكس أزمة تعلم لا مجرد أزمة ترتيب دولي. كما تفيد وثائق دولية بأن نسبة كبيرة من الأطفال في المغرب لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط في سن العاشرة، وهي الظاهرة المعروفة بـ “فقر التعلم”. وعندما يعجز الطفل عن القراءة في سن مبكرة، فهذا لا يعني أنه تأخر في مادة واحدة فقط، بل يعني أن كل مساره الدراسي يصبح مهددًا، لأن القراءة هي الباب الذي تدخل منه بقية المعارف.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننكر أن المغرب حقق تقدمًا في تعميم التمدرس وتقليص عدد الأطفال خارج المدرسة؛ إذ تشير معطيات اليونسكو إلى تراجع مهم في أعداد غير المتمدرسين بين 2000 و2023. لكن تعميم الولوج لا يكفي إذا لم يتحول إلى تعلم فعلي. لا معنى لأن نُدخل الطفل إلى المدرسة إذا خرج منها عاجزًا عن القراءة، فاقدًا للثقة، كارهًا للمعرفة، مقتنعًا أن المدرسة لم تكن إلا محطة طويلة قبل البطالة أو الهجرة أو العمل الهش.
المعضلة الكبرى أن الإصلاحات التربوية في المغرب غالبًا ما تغير اللغة أكثر مما تغير الواقع. مرة نتحدث عن المقاربة بالكفايات، ثم عن بيداغوجيا الإدماج، ثم عن الجودة، ثم عن مدرسة الإنصاف، ثم عن النموذج الجديد، ثم عن الريادة. تتغير المصطلحات، لكن القسم يبقى مكتظًا، والأستاذ يبقى منهكًا، والتلميذ يبقى ضائعًا. كأن المنظومة تعيش نوعًا من الهوس بالإصلاحات الورقية، بينما جوهر الأزمة يوجد في مكان آخر: في الحكامة، والعدالة المجالية، وتكوين المدرسين، واللغة، والتقويم، والفقر، وضعف الثقة.
لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن الأستاذ. لقد تحوّل المدرس في المغرب إلى الحلقة التي يُعلَّق عليها كل فشل. إذا ضعف مستوى التلاميذ، قيل إن الأستاذ لا يقوم بواجبه. إذا تعثرت المنظومة، قيل إن الأستاذ يقاوم الإصلاح. إذا خرج للاحتجاج، قيل إنه يضيع أبناء الشعب. لكن من يسأل عن وضع الأستاذ نفسه؟ عن تكوينه؟ عن دخله؟ عن كرامته؟ عن الضغط النفسي الذي يعيشه؟ عن الأقسام المكتظة؟ عن العنف المدرسي؟ عن تحوله إلى موظف مثقل بالمذكرات والتقارير والانتظارات المتناقضة؟ لا يمكن لمدرس مهان أو مرتبك أو فاقد للاستقرار أن يصنع مدرسة مستقرة.
كما لا يمكن أن نستمر في التعامل مع التعليم بمنطق تقني بارد، كأن المشكلة في طريقة التدريس فقط. المدرسة المغربية تعيش داخل مجتمع مأزوم: فقر، بطالة، هشاشة، عنف أسري، أمية أسرية، تفاوت لغوي، تهميش قروي، وغياب فضاءات ثقافية. يأتي التلميذ إلى القسم وهو يحمل معه كل هذه الأثقال. قد يكون جائعًا، أو خائفًا، أو يعيش في بيت ضيق، أو لا يجد من يساعده في واجباته، أو يقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة. ثم نطلب منه أن ينافس طفلًا يملك غرفة خاصة، وأنترنت، ودروس دعم، وأسرة متعلمة. أي عدل هذا؟
الخطير أن المدرسة لم تعد تنتج الأمل كما ينبغي. في السابق، رغم كل الأعطاب، كان التعليم يُنظر إليه بوصفه طريقًا ممكنًا للترقي الاجتماعي. أما اليوم، فقد ترسخت لدى فئات واسعة قناعة مرة: “قرا ولا ما تقراش، الخدمة ما كايناش”. هذه العبارة الشعبية ليست مجرد تشاؤم، بل مؤشر خطير على انهيار الثقة بين المدرسة والمستقبل. وحين يفقد المجتمع ثقته في المدرسة، لا نخسر مؤسسة فقط، بل نخسر فكرة التقدم نفسها.
أزمة الهدر المدرسي تظل واحدة من أكثر الوجوه قسوة لهذه المعضلة. فقد تحدثت معطيات حديثة عن أعداد كبيرة من التلاميذ الذين يغادرون المدرسة سنويًا، خاصة في السلك الإعدادي. والهدر المدرسي ليس رقمًا إداريًا، بل مأساة اجتماعية. كل تلميذ يغادر المدرسة قبل الأوان هو مشروع هشاشة جديد، مشروع بطالة، مشروع استغلال، وربما مشروع انحراف أو هجرة خطرة. حين يغادر الطفل المدرسة، لا يغادر مقعدًا فقط، بل يغادر احتمالًا آخر لحياته.
ثم هناك سؤال اللغة، وهو من أكثر الأسئلة التباسًا في المدرسة المغربية. لا يمكن لتلميذ أن يتعلم بعمق داخل فوضى لغوية تجعله يدرس بلغة، ويمتحن أحيانًا بمنطق آخر، ويصطدم في الجامعة أو سوق الشغل بلغة ثالثة. ليست المشكلة في العربية أو الفرنسية أو الأمازيغية أو الإنجليزية في حد ذاتها، بل في غياب سياسة لغوية عادلة وواضحة. اللغة في المدرسة ليست أداة تواصل فقط، بل أداة سلطة. ومن لا يمتلك لغة المعرفة، يبقى خارج المعرفة ولو جلس في القسم.
كما أن المناهج نفسها تحتاج إلى شجاعة في المراجعة. لا يعقل أن نُثقل التلميذ بمعارف كثيرة دون أن نعلمه كيف يفكر. لا يكفي أن يحفظ دروسًا في التربية الإسلامية أو الفلسفة أو التاريخ أو العلوم، إذا لم يتعلم كيف يسأل، وكيف يحلل، وكيف يناقش، وكيف يميز بين الخبر والرأي، وبين الدليل والدعاية، وبين السلطة والحقيقة. المدرسة التي لا تربي على التفكير النقدي تترك أبناءها فريسة سهلة للتفاهة، والتطرف، والشعبوية، والخرافة، والاستهلاك الأعمى.
ومن المفارقات أن المغرب يتحدث كثيرًا عن الرقمنة، بينما ما زالت مدارس تعاني من خصاص في أبسط الشروط. الرقمنة ليست أن نوزع كلمات براقة عن الذكاء الاصطناعي واللوحات الإلكترونية، بينما الطفل لا يجد مكتبة مدرسية أو مرحاضًا لائقًا أو قسمًا دافئًا. التكنولوجيا مهمة، لكنها لا تعوض العدالة. لا يمكن أن نقفز إلى مدرسة المستقبل وأقدامنا عالقة في مدرسة لم تحل بعد مشاكل القرن الماضي.
ما نحتاجه اليوم ليس إصلاحًا جديدًا يضاف إلى أرشيف الإصلاحات، بل مصالحة جذرية مع معنى المدرسة. يجب أن نطرح السؤال البسيط والعميق: أي إنسان نريد أن تخرجه المدرسة المغربية؟ هل نريد تلميذًا يحفظ ثم ينسى؟ أم تلميذًا يفكر، يفهم، يناقش، يحترم، يبدع، ويملك أدوات الحياة؟ هل نريد مدرسة لإنتاج الشواهد، أم مدرسة لبناء الإنسان؟ هل نريد أن نُكيّف أبناء الفقراء مع واقعهم البائس، أم نمنحهم القدرة على تغييره؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التعليم ليس قطاعًا مثل باقي القطاعات، بل هو أصل القطاعات كلها. من دون مدرسة قوية، لن يكون لدينا طبيب جيد، ولا مهندس جيد، ولا قاضٍ عادل، ولا مواطن واعٍ، ولا ديمقراطية حقيقية. كل فشل في المدرسة يظهر لاحقًا في المستشفى، والمحكمة، والإدارة، والشارع، والانتخابات، والإعلام، وحتى في طريقة تفكير الناس في أنفسهم.
لذلك، فإن أزمة التعليم في المغرب ليست قدرًا. هي نتيجة اختيارات سياسية واجتماعية وتربوية. ويمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة والجرأة. نحتاج إلى مدرسة عمومية قوية فعلًا، لا في الخطاب فقط. نحتاج إلى تقليص الفوارق بين المدن والقرى. نحتاج إلى تكوين عميق ومستمر للمدرسين. نحتاج إلى مراجعة جذرية للمناهج. نحتاج إلى إدماج علم النفس والتفكير النقدي والثقافة الفنية والمهارات الحياتية. نحتاج إلى تقويم لا يقتل الذكاء، وإلى إدارة تربوية لا تشتغل بمنطق التعليمات فقط، وإلى ربط التعليم بالكرامة الاجتماعية.
أزمة التعليم في المغرب ليست أن التلميذ لا يحفظ ما يكفي.
الأزمة أنه لا يجد دائمًا سببًا ليؤمن بأن المدرسة ستنقذه.
وحين يصل الطفل إلى هذه القناعة، نكون قد فشلنا جميعًا: الدولة، والمجتمع، والأسرة، والنخب، والفاعلون التربويون.
إن المدرسة المغربية لا تحتاج إلى خطاب جديد بقدر ما تحتاج إلى صدق جديد. صدق يقول إننا لا نستطيع بناء وطن حديث بمدرسة متعبة. ولا نستطيع الحديث عن العدالة الاجتماعية بينما التعليم الجيد صار امتيازًا طبقيًا. ولا نستطيع محاربة الفقر إذا كانت المدرسة نفسها تعيد إنتاجه.
فالبلد الذي لا ينقذ مدرسته، لا ينقذ مستقبله.
والشعب الذي يترك أبناءه يتعلمون الفشل داخل الأقسام، سيحصد لاحقًا أجيالًا لا تثق في الوطن، ولا في المعرفة، ولا في العدالة.
وهنا لا تعود أزمة التعليم مسألة مدرسية فقط.
تصير سؤالًا وجوديًا:
هل نريد فعلًا أن نحرر الإنسان المغربي، أم نريد فقط أن نُدخله إلى القسم كي يتعلم كيف ينتظر؟
Comments ( 0 )