الدعارة الرقمية : من الطروطوار إلى “أفري بابا” والشقق المفروشة
من تفكيك شبكة منظمة للدعارة في المحمدية الى الإطاحة بشبكة منظمة صباح الخميس بالحي المحمدي باݣادير إثر مداهمة المصالح الأمنية هناك لشقة مفروشة، مرتبطة بتطبيق أفري بابا، ليست مجرد اخبار أمنية عابر من محاضر الشرطة. إنها أخبار تعكس تحولاً خطيراً ومتسارعاً في سوق الدعارة بالمغرب، حيث انتقلت من الفضاء العام التقليدي إلى فضاء رقمي وشبه قانوني يتمتع بدرجة عالية من السرية والسهولة.
لم تعد الدعارة تقتصر على الشارع أو الأماكن المشبوهة المعروفة. أصبحت اليوم تتم عبر تطبيقات الإعلانات المبوبة وتطبيقات المواعدة، وبواسطة شقق مفروشة تُكترى يومياً أو بالساعة. هذه الشقق، التي تظهر في الأحياء السكنية العادية، توفر بيئة محترمة ظاهرياً، بعيدة عن أعين الرقابة، وتسمح بممارسات مشبوهة دون أي ضوابط قانونية حقيقية. صاحب الشقة يحصل على أجرة مرتفعة، والمستأجر يدفع نقداً، والجميع يتجنب الأسئلة.ما يثير القلق أكثر هو الفئات الجديدة التي بدأت تدخل هذا العالم.
لم تعد الظاهرة حكراً على فئات تقليدية معينة، بل أصبحت تستقطب بشكل متزايد طالبات الجامعات والشابات القادمات من مدن صغيرة وقرى، اللواتي يواجهن ضغطاً اقتصاديا شديدا في المدن الكبرى. ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وضعف الدعم العائلي، وهشاشة الوضعية المالية، تجعل بعضهن يلجأن إلى هذا النوع من الدخل المساعد بشكل جزئي أو موسمي لتغطية مصاريف الدراسة أو الكراء.
هكذا تتحول الدعارة في غفلة منا، من مهنة محترفة إلى خيار survival لفئات كانت في الماضي أقل عرضة للانغماس في الممنوع. يأتي هذا التحول الزاحف في سياق اجتماعي واقتصادي أوسع. يتشكل يوما بعد يوم من ضعف القدرة الشرائية، انتشار الفقر النسبي في الحواضر، وارتفاع معدلات العزوف عن الزواج بشكل غير مسبوق، كلها عوامل تخلق طلباً جنسيا مكبوتا يبحث عن منافذ سريعة ونظيفة.
في الوقت نفسه، تُسرّع تطبيقات المواعدة والتواصل الرقمي من تطبيع جزئي للعلاقات خارج إطار الزواج في بعض الأوساط الشابة، مما يفتح مساحات أرحب لهذه الظاهرة وسط الأجيال الصاعدة.
رغم الجهود الأمنية المتكررة التي تفكك شبكات هنا وهناك، تبقى المعركة غير متكافئة. المنصات الرقمية تتحرك بسرعة تفوق قدرة الرقابة، وكراء الشقق قصير الأمد لم يخضع بعد لتشريعات صارمة كافية، والإعلانات المشفرة صعبة الملاحقة.
و النتيجة هي ظاهرة تتجذر وتتوسع بعيداً عن الأضواء، مهددة بتداعيات صحية ونفسية واجتماعية عميقة.الأمر لم يعد يتعلق فقط بـالأخلاق أو الانحلال، بل بتحول بنيوي يستفيد من الفقر والتكنولوجيا والفراغ التنظيمي. إذا استمرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية على حالها، فإن ما نسمعه اليوم عن صيف ساخن قد يكون مجرد بداية لظاهرة أكبر وأخطر.
المواجهة الحقيقية تتطلب أكثر من حملات أمنية متفرقة. نحن بحاجة إلى سياسات اقتصادية واجتماعية جريئة تخفف الضغط على الشباب والنساء، إلى تنظيم صارم لسوق الشقق المفروشة قصيرة الأمد، ورقابة فعالة على المنصات الرقمية، بالإضافة إلى خطاب مجتمعي صادق يناقش أزمة العزوف عن الزواج والحاجات الإنسانية للأجيال الجديدة دون نفاق أو تجاهل.في غياب ذلك، سنظل نقرأ أخبار تفكيك الشبكات كل أسبوعين… بينما الداء ينتشر في صمت.
Comments ( 0 )