“الفقيه لي نتسناو براكتو”: عندما يتحول الخطاب الديني إلى “فرجة” اجتماعية
تحت عنوان ينهل من الموروث الشعبي المغربي الساخر، طرح الكاتب عبد العزيز سعدي مؤلفه الجديد “الفقيه لي نتسناو براكتو”، ليضع مجهر النقد على ظاهرة “الدعاة الجدد” ونجوم الفتوى الذين باتوا يهيمنون على الفضاء الرقمي والعمومي.
يأتي كتاب عبد العزيز سعدي في توقيت يشهد فيه المجتمع المغربي والعربي تحولات جذرية في طرق استهلاك الفتوى الدينية. فالكتاب ليس مجرد رصد عابر، بل هو تشريح عميق للمسافة الفاصلة بين الفقيه المؤسساتي الوقور، وبين الفقيه النجم الذي يستمد شرعيته من عدد المشاهدات وقدرته على إثارة الجدل.
سيميولوجيا العنوان الساخرة استخدمها الكاتب كأداة للنقد
مستلهماً المثل الشعبي “الفقيه لي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو” (أو بصباطو في روايات أخرى) يحمل دلالة نقدية ذكية. فالكتاب يوحي منذ البداية بأن البركة المنتظرة من الخطاب الديني المعاصر تحولت إلى خيبة أمل بسبب السلوكيات أو الفتاوى الشاذة التي تقتحم الفضاء العام، مما يعكس رغبة الكاتب في كشف التناقض بين الخطاب والممارسة.
كما فكك عبد العزيز الفِقه “الفرجوِي” واحتلال الفضاء الرقمي
و حلل كيف انتقل الخطاب الفقهي من “المنبر” إلى “التريند”. يبرز الكتاب أن بعض الفاعلين الدينيين اعتمدوا آليات “البوز” (Buzz) لضمان الاستمرارية في الساحة الدعوية، حيث لم تعد قيمة الفتوى تقاس بمتانتها العلمية، بل بمدى غرابتها وقدرتها على استقطاب الجماهير. و هنا، يتحول الفقيه إلى “مؤثر” (Influencer) يخضع لقوانين السوق الرقمي أكثر من خضوعه لضوابط الاجتهاد الرصين و البحث المجتمعي.
و بين الوعظ والوصاية
عمل الكتاب على تفكيك بنية الخطاب الذي يقدمه هؤلاء الفاعلون، ملاحظاً جنوحا نحو التبسيط المخل أو التشدد الغريب في قضايا هامشية، في مقابل غياب الأجوبة الحقيقية على الأسئلة الوجودية والقيمية الكبرى للمجتمع و ظواهره الناشئة. في هذا الاصدار الجديد، تمت رصد لتحول هذا الخطاب إلى أداة لممارسة وصاية أخلاقية تستهدف الفئات الهشة فكرياً و التي تفتقر الحس النقدي، مستغلةً العاطفة الدينية الجياشة.
و من التدوين إلى التحليل السوسيولوجي
لم يكتفي المؤلف بسرد الوقائع، بل يضعها في سياقها المعاصر. عبر رصد وقائع يومية عاشها المغاربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحولها من مادة للاستهلاك العابر إلى مادة للنقد الفكري. الكتاب يسائل المتلقي أيضاً، لماذا نمنح هذه الخطابات كل هذا الاهتمام؟ وكيف يساهم الجمهور في صناعة هؤلاء “النجوم” عبر التفاعل المستمر مع شطحاتهم؟
منظور أوسع:
إن “الفقيه لي نتسناو براكتو” لعبد العزيز سعدي هو صرخة نقدية في وجه تمييع الحقل الديني. إنه دعوة للعودة إلى العقلانية، والتمييز بين الدين كقيم سامية، وبين الخطاب الفقهي كبناء بشري قد يصيب وقد يتحول، في أحيان كثيرة، إلى مادة للفرجة والتسلية والمغالطة.
Comments ( 0 )