سجال الاستقلال و الأحرار حول الأسواق بين عربة “الازدهار” و “أسواق القرب” التي تفلتت من التنظيم و رفعت الأسعار
ارتفعت أسعار الطماطم كأنها أسهم شركة ناشئة، ووتعالت أصوات الزعماء بالمتسببين وأصبح المواطن يحسب تكلفة الخروج إلى السوق بالوقود والوقت والضغط النفسي، وهنا ظهر سجال حكومي تقليدي، طرف يدافع عن “يد السوق الحرة” (بعدما أثبت الوسطاء قدرتهم على الاحتكار)، وطرف آخر يطالب بتدخل الدولة دون أن يحدد الطريقة. وسط هذا الجدل السياسي الرنان، كان هناك حل متواضع يمشي على عجلات، أو يجرّه حمار، أو يدفعه شاب على عربة بدائية؛ أبطاله التجار المتنقلون بين الأحياء والإقامات.
نموذج “سوق الازدهار” من لوس أنجلس… ونسخته المغربية غير الرسمية في درب ميلان!
الخبر يقول ان سيدتان حولتا من عالم الموضة مقطورة وردية طولها 15 مترًا تعمل بالطاقة الشمسية إلى سوق متنقل يجلب الخضر والفواكه الطازجة إلى أبواب الأحياء المهمشة فلوس أنجلس. تطلبت الفكرة خمس سنوات من التطوير، وتمويل جماعي تجاوز 100 ألف دولار، لينتشر بد ذالك في مدن أمريكية متعددة. الفكرة بسيطة، فبدل أن يذهب الناس إلى السوق، يأتي السوق إليهم. ثلاجات، أرفف، مطبخ صغير، وبرنامج دعم لمحدودي الدخل.في المغرب، لم ننتظر تمويلًا جماعيًا -كالعادة- ولا مقطورة شمسية فاخرة. التجار المتنقلون طبقة غير مهيكلة (كما يحلو للسياسيين تسميتها) فعلوا الشيء نفسه منذ عقود، يجوبون الأحياء، يبيعون بالتقسيط و العروض المحفزة، يخفضون الأسعار حين يضطرون، ويوفرون “خدمة القرب” التي تفتقر إليها الأسواق النموذجية و بعضهم اصبحوا ابطال مسلسلات تلفزيونية رمضانية. بعضهم انفلت من برامج “الأسواق المحتضنة” التي بنتها الجماعات الترابية، لأنها غالبًا ما تأتي مع رسوم وتنظيمات وأوقات ثابتة لا تناسب واقع الحياة اليومية. فضّلوا التنقل… ونجحوا نسبيًا حيث فشل التنظيم الثقيل.
و بينما يناقش السياسيون في المكاتب المكيفة “تدبير سلاسل التوريد”، كان “البرّاح” (بائع الخضر المتنقل) يحلّ المشكلة عمليًا، بحماره و عربته الميكانيكية، وهو يصرخ ” مطيشة ميتين و عشرين!”. الدولة تبني أسواقًا كبيرة، والمواطن يفضّل من يأتي إلى الإقامة.
لكن هل قمنا باستطلاع للرأي عما يُفضل المستهلك: الثبات أم الحركة؟اسأل أي سيدة منزل أو أب عامل في حي شعبي ,هل تفضل السوق الثابت أم المتنقل؟ الإجابة غالبًا ما تكون عملية. السوق الثابت يوفر تنوعًا أكبر أحيانًا، ويمكن مراقبته نظريًا، لكنه يعني لدى الكثيرين تكلفة تنقل ووقت.
تَعرض المنتجات للشمس والغبار.
وسطاء يرفعون الأسعار قبل أن تصل إلى السوق النموذجي.
السوق المتنقل يوفر الراحة والسرعة والقرب. يأتي في الوقت المناسب (بعد الصلاة العصر أو قبل المغرب)، يبيع منتجات طازجة نسبيًا، لأنها لا تبقى أيامًا في المستودع ولا تخضع للاحتكار، وغالباً ما يخفض السعر ليبيع الكمية. عيبه الواضح، صعوبة مراقبة الجودة والنظافة، وغياب الضمانات، وأحيانًا استغلال للثقة.
المواطن العادي يُصوت بـرجليه أو بجيبه : يشتري من المتنقل يوميًا للاحتياجات السريعة، ويذهب للسوق الكبير أسبوعيًا للكميات الأكبر. هذا ليس رفضًا للتنظيم، بل رفضًا للتنظيم الذي يقتل المرونة. فهل يمكن للأسواق المتنقلة أن تضبط الأسعار والجودة؟ ربما نعم، وإلى حد معقول، إذا خرجنا من الثنائية “إما فوضى أو تدخل مركزي ثقيل”.
المميزات الاقتصادية لتنقل السلع تبرز في تقليل حلقات الوسطاء: مزارع تاجر متنقل مواطن. هذا يضغط على الأسعار نحو الأسفل.
مرونة في التوزيع: يذهبون حيث الطلب، و يقللون الهدر.
دعم المزارعين الصغار والمنتجات المحلية، كما في نموذج “سوق الازدهار” الامريكي.
إمكانية دمج التكنولوجيا: تطبيق يحدد مواقع العربات، يعرض الأسعار، ويسمح بالتقييم.
الشروط الضرورية لئلا تتحول إلى فوضى :ترخيص بسيط وسريع للتجار المتنقلين مع فحص دوري للجودة والنظافة.
تشجيع الطاقة المتجددة (ثلاجات شمسية صغيرة) بدل احترام الدواب فقط.
برامج دعم مشابهة لـ”دولارات الازدهار” للأحياء الهشة.
تنسيق مع البلديات لتخصيص نقاط توقف دون تحويلها إلى أسواق ثابتة مكلفة.
لكن ماذا عن من يعتبر أنها موجهة لمن يعتبر هذه الحلول قديمة: العربات المتنقلة أقرب إلى اقتصاد التشارك والمرونة الحديث منها إلى الماضي.
الذي عفا عليه الزمن هو الاعتقاد أن بناء سوق كبير في كل حي يكفي، بينما الناس يريدون الخدمة حيث يعيشون.
منظور أوسع:
لنحول “الفوضى الخلاقة” إلى نموذج منظّم!
فالأسواق المتنقلة ليست حلاً سحريًا، لكنها تمثل ذكاءً مغربيا خالصاً يستحق الدعم لا الاضطهاد. بدل أن نلاحق التجار المتنقلين بغرامات تضع السلطة على المحك مع المواطن، لنستثمر في تطويرهم: عربة نموذجية، تبريد فعال، تتبع رقمي، وشراكة مع المزارعين. المواطن لا يريد خطابات عن “كسر الأسعار”، يريد طماطم جيدة السعر أمام بابه. والتجار المتنقلون يفعلون ذلك يوميًا، بخفة، وبدون مؤتمرات صحفية. ربما حان الوقت لأن تتعلم الدولة والأحزاب من “القطاع غير المهيكل” قبل أن تنظمه… إلى درجة قتله. فالازدهار الحقيقي ليس في اسم المقطورة الوردية، بل في قدرتها على الوصول إلى من يحتاجها. والمغرب يملك آلاف “المقطورات” الوردية غير الرسمية… فقط أعطوها فرصة للتتنفس.
Comments ( 0 )